الثلاثاء، أكتوبر 17، 2017

أنا و سيرجي رخمانينوف نثرثر تحت السروة التي جوار البيت







ــ سيجارة؟ سألتهُ

اعتذر بلُطف ثم قال:

ربما بعد قليل.

و حَلَّ  صمتٌ طفيف

كنتُ متآكلاً 

نملةُ الصدّأ تقود جيشها 

و يُشيرُ إليّ النسيان

ــ ألهذا حضّرتني؟ سألني

أخذ عينيّ الذابلتين

و ما تبقى من سيجارتي المشتعلة.

- المساءُ هنا جميل

- و كئيب

- كم عمر هذه السروة؟

- يبدو أنها بعد شهرين ستدخل في الخمسين.

- كيف تعرف أنها تحبك؟

- تفرز رائحتها لأجلي.

- و كيف تعرف أنك تحبها؟

- يُسكرني الشكلُ و الرائحة.

- سيجارة أخرى .. ممكن؟

- أكيد ..

- و الصدأ؟

- ربما لعنة 

- و ذلك الركام هناك ؟

- بصمةُ الحرب الأخيرة

- لماذا أنا تحديداً؟

- موديراتو | modirato

- و بعد ؟

- ترتّق أوردتي الممزقة و تعزّيني.

- هل هناك امرأة ؟

- مثل رائحة السرو

- لكنك حزين؟

-لأنها فكرةٌ و بعيدة.

- أين نحن؟

- قيزان النجّار

- حلَّ الليل و لم ألمح مصباحاً واحداً؟

- الكهرباء مقطوعة

- سيجارة .. اعذرني

- اشتريتها لأجلك، لا أدخن كثيراً

- كان يجب أن تحضّرني بأشيائي

- لم أحفظ كل التعويذة

- تبدو مريضاً

- إنها العادة

- تحب الموسيقى ؟

- مثل هذه السروة

- تتمشى؟

- منهك قليلاً

- أين بيتك ؟

- القريبُ هناك

- عندك بيانو ؟

- مرسومٌ على ظهر كتاب.

و خَيّمَ صمتٌ طفيف

بينما كانت يدي ترتجف

كان هو يتلاشى.




الثلاثاء، أكتوبر 10، 2017

مزّيكا خان يونس







وحدكِ حبيبتي

التي تكشفُ عن ساقيها أمامي

و لا تخجل

تلعبُ بالقشِّ معي

و لا تملُّ الانتظار

حتى ننتبه معاً إلى

"نعاس القط في الظهيرة"

أمامنا البحرُ الأزرق

الزبدُ ينادي ساقيكِ العاريتين

هواءٌ أليفٌ يلعب

بشالك القرمزيّ

و أنا أخاف من البحر

خُذي رجفتي ضلعاً فيكِ

أو همسةً بين الشفتين

مفاتيحُ للخيالِ الصاعد

ينبش شوارعكِ و الميادين

يرتّب الأرصفة المُبعثرة

و يضعُ لكِ المكياج المناسبَ

يختار الأشجار المناسبةَ

و اللافتات .

لا تتوحشي |

دعيني أكسر هذي الأظافر الناشبة

في حلاوةِ السما

و سماؤكِ و ربُّ السماء حُلوة

مثل دفتر رسمٍ جديد

و عيونِ طفلةٍ سعيدة.

كلارينيت بهيج لأجل هؤلاء

الطارقين باب الحياة في شارع

"جمال عبد الناصر"

كونشرتو كمنجات للبؤساء الجالسين

عند قلعة برقوق

يشربون قهوةً أو يُحشّشون

مزامير عالية و ترومبيت هائج

لسائقي طريق "صلاح الدين"

كمنجةٌ منفردة للسائر الوحيد

في شارع "الفرّا"

Standing in motion

الشرقية، عبسان، خزاعة

طبولٌ تزهو بصوتها

كونشرتو كمنجات جديد يلمع

مثل السيوف المشرعة في الشمس

ترومبيت آخر يدخلُ

مثل قائدٍ منتصر

منتفخٌ بالنياشين

Enchantment

بيانو رقيق يسنده تشيللو

المشاة في حيّ المحطة

ذاهبون إلى أحد السّطرين

شرقيٌّ و غربيّ

و جازٌ خفيف للواصلين

إلى مصيرهم الذي يرغبون

لا تتوحشي |

نحن مساكين

نمشي و نتحسر و نثرثر و نضحك

و نشرب الشاي في كؤوس بلاستيكية

فتلسعنا سخونته، نمشي، و نفسّر

نوافذ البيوت و الأسوار

ثم نصل المسجد متأخرين

فنصلي الظهرَ قبل موعد العصر بساعة

نمشي و نمشي

نصل البحرَ الأزرق

و أنا أخاف من البحر

الزبد ينادي ساقيكِ العاريتين

و الموج يقول :

تعالي أغسلهما من القشّ

العالق عليهما

تنظرين إليّ و تضحكين

و تسألينني :

هل سنلعب بالقشِّ مرةً أخرى !






الأحد، أكتوبر 08، 2017

حِصارٌ اسمهُ الماضي





الماضي في القاموس هو الزمان الذاهب المُنقضي، و الماضي هو السيف الحادّ، فلا 

غَرْوَ أن يكون الزمان المُولّي هو سيفاً حاداً في نفس الآنِ حيثُ يُقطّع أوصال الشعور 

كُلّ مرةٍ فتنبتُ ثم يقطعها و هكذا دَواليْكَ إن كانت الأحداث محفورةً في الذاكرة تتجدّد 

كل حينٍ و حين.

الماضي من الذكريات و الذكريات من الماضي، فإن كانت تلك حُلوةً و جميلة فإن 

الماضي هنا يتحوّل إلى حنين، وتختلف درجة الحنين حسب قوة الذكرى و شدّة جمالها، 

فإن بلغت من الجمال مداهُ يكون الحنين مُبْرحاً، قاضياً على صاحبهِ أحياناً، و ينشأُ ألمٌ 

منبعه الحسرة على تلك الأيام التي لن تعود –مثلاً- أو على الصّحْبِ الذين فارقونا أو 

الأماكن التي تركت أثرها الحَسن في النفس. 

تُشْعِلُ الحنينَ رائحةٌ تشمُّها و أنت تمشي أو و أنت جالسٌ في مكانك، في أيٍّ حالٍ كنت، 

رائحةٌ تأتي من مكانٍ ما. الشرط في هذه الرائحة أن تشبهَ رائحةً كانت موجودة و 

مرتبطة بحَدثٍ عظيم عِشْتَهُ مُسبقاً، عِشْتَهُ بلهفةٍ و سعادةٍ غامرة. فبمجرّد أن تشمها حتى 

تتغير كيمياء جسدكَ فجأة، و تُغلّفُ القلب حالةٌ من الشجنِ الجميل، ثم تدرك أن هناك 

تنهيدةً محبوسة تُريدُ أن تطلقها في الفضاء الرحب، كنوعٍ من التفريغ و التخفيف. 

ثم يندلعُ المشهدُ أمامك، تحسُّهُ أمامك، يحوّطك، يشملك، تراهُ بتفاصيله و ألوانه، تعلمُ 

أنه وهم لكنك تستشعره تماماً، كيف تهيّأ و ارتسم؟ لا تدري .. إنه العقل، معجزة الله في 

الإنسان! تعيش المشهدَ مرةً أخرى، تعيشهُ بألمٍ عذب وديع، و التنهيدات تفرُّ منكَ كأنها 

عصافيرٌ جائعة طارت لتبحث عن القوت. تأخذ بعدها تبحثُ في الذاكرة، تُفتشها، عن 

كل ماله علاقة بتلك الذكرى التي جاءتك دونما موعد، فتدخلُ في حصار الماضي الذي 

لا يمكن لك أن تعرف مُدّته و لا إن كان سينقطع أم سيعود. 

و قد يُشعلُ الحنينَ صوتٌ، و قد يُشعلهُ منظرٌ ما .. إن الأمر كله منوطٌ بالحواس التي تم 

استعمالها في أحداثٍ عظيمة غمرتنا بالسعادة و الجمال في يومٍ ما.

الماضي من الذكريات و الذكريات من الماضي، فإن كانت تلك مُرّةٌ صعبةٌ قاسية، فلا 

نُسمّي ذلك حنيناً؛ لأن الحنين يكون للأشياء الجميلة فقط، يتحوّل الماضي هنا إلى 

كابوس، وحش حادّ الأنياب لا هم له سوى الانقضاض عليك و إقلاق حاضرك و 

تخويفك من المستقبل. و هذه الحالة مخيفة جداً، لمَا يُصاحبها من قلقٍ و كآبة قد تمتد 

معك لأيام، تصبحُ سجيناً بمعنى الكلمة لماضيك و أخطائكَ لا يمكنك الفرار منه مهما 

فعلت، فهو يخرج لك من الكتاب الذي تقرؤه، من الصور التي تشاهدها، من الأصوات 

التي تسمعها، حصار عنيف ممتدّ سجّانُهُ الوقت و جلّادُهُ الذكرى. 

ما يجعل تلك الحالة أكثرَ ضراوةً هو الندم الناجمُ عنها و معها، و النّدمُ مفترِسٌ آخر، 

يتشكّل في نقطةٍ عميقة من الضمير، ثم يكبر و يتضخم إلى أن يسيطر على صاحبه 

تماماً فلا يجعلكَ قادراً حتى على إحداثٍ ثُقْبٍ صغير في الدوامة التي تحتويك تنظر منه 

خارجاً أو يدخل منه هواءٌ جديد. 

حزنُ الحنينِ جميل، يشبهُ وجه البحيرةِ الرائق في مساءٍ وحيد، بينما حزن الماضي 

الحافل بالأخطاء و الألم، مُضّطرمٌ أهوج مثل العواصف العاتية التي تقلع الأشجار من 

جذورها، و كلاهما حصارٌ سببهُ النفسُ و جُملة المشاعر التي تُكوّن وجدان الإنسان. 

في فن التدريس يذكرون الفروق الفردية بين التلاميذ، و يقصدون الفروق العقلية بين 

كل تلميذ و آخر حيث يجب مراعاة ذلك أثناء ممارسة عملية التعليم. و أقول أن هناك 

فروقاً فردية في العاطفة أيضاً، و درجات في الإحساس تختلف من إنسان إلى آخر، 

لهذا لا يكون وَقْعُ المُصيبة-مثلاً- واحداً على جماعةٍ من الأفراد، فدرجة التأثُّر ستكون 

عظيمة عند أصحاب الحِس الرقيق و عادية عند الذين لا يملكون إلا اليسير من 

الإحساس، نفسٌ رقيقة و أخرى شديدة، فإذن حصار الماضي سيختلفُ تِبعاً لتلك النفس 

و مدى امتلاكها من الرقّة أو الشدة. 

هؤلاء الذين يملكون حِسّاً مُرهفاً، يُعانون حقاً إذا ما تملّكَ منهم الماضي، يقضون وقتاً 

مليئاً بالحزن و العذاب. إن (جان جاك روسو) عندما وصف السعادة الحقيقية، ذكر أنها 

ذلك الوقت الذي نعيشه دون الحاجة إلى تذكّر الماضي و لا القفز نحو المستقبل.

لكن تبقى النفسُ ضعيفة و أمَارة و ليس يسهل كبح جماحها، فإن توفّرت ظروف 

الحصار سندخلُ فيه دون أن ندري، و أيضاً نخرجُ منه دون أندري .. أقصد ذلك 

الحصار الذي اسمه الماضي.

الخميس، أكتوبر 05، 2017

عشرون سبب لدخول الغرفة الصفراء





١-
عقلي الذي أصبح فحمةً كبيرة
يبحث عن فأسٍ حادة
تحطّمه.

٢-
شفتاكِ البعيدتان
مثل الحظ الذي ينأى
بمجرّد أن دلّوه عليَّ.

٣-
الظهيرة الخالية من التبغ
و من فلسفة جان جاك روسّو

٤-
البحيرة التي أنتظرها منذ البلوغ
و لم تأتِ بعد
أو التي
لم أهتدِ إليها.

٥-
الانتظار الذي يأكلني
مثل النار التي تأكل خشباً أخضراً
فيغلي النُّسْغُ فيه.

٦-
الماضي الذي يتحرّك 
مثل الأفعى
تحت فراشي الرقيق.

٧-
الظل الغائب
و رعشة الغصون

٨-
الخوف النامي على شفتيّ
٩-
الموتى الذين يستيقظون
أو يسقطون من الذاكرة 
أمامي

١٠-
تاريخ المدينة المعدوم
كل الخرائط التي رسمتها
و حرقها اللصوص سراً

١١-
شجرة التوت التي رحلت
و لم تعطني عنوانها الجديد

١٢-
أنا .. الضائع
المعروف فقط لذئاب القلق

١٣-
رئتي الضيقة
١٤-
عيناكِ الممنوعتان
و رائحة الشامبو الممتاز 
التي تفرُّ من المنديل -رغماً عنها-
حين أفقدها.

١٥-
النافذة المُعدمة
و موعد الكهرباء المتأخر

١٦-
انتظار السنونو أن يمر
فشلي في رسمه
و إقناعه بأني صديق طيب

١٧-
حشرات تعبر من ثقب الظنون
تسطو على قطعة السكر الوحيدة
المتبقية معي.

١٨-
انعكاسٌ على المرآة لا يشبهني
١٩-
رائحة العطب في خطوات القادمين
٢٠-
عندما يجفُّ المجاز
و أصير أنا أنا
يدخل الدمُ إلى قلبي
لا أسرار السحابْ

الجمعة، سبتمبر 01، 2017

و اسألْ شجر الجوز








عيناكِ تصنعانِ هذه المدينة

ترسمان حدائقها و

الطرقات

تُسلّمان على العصافير

على الغصونِ

تُعطّرانِ الوقتَ

و تسردُ الحكايات

عيناكِ تسألان :

هل سنضيع؟!

ثم قفزنا فوق الذاكرة المثقوبةِ

و تلوْنا الصلوات.

هل تعرفين العلاقةَ

بين جيوفاني مارادي و هذه المدينة؟

أنا العلاقةُ

و كلُّ العلاقات

أدثّرُ الأرصفةَ بوَحْيٍ

و أناجي قِمَمَ السّروات

أقولُ للبيانو رافِقْ بَوْحنا

ف/ ينسالُ رقيقاً

عذباً

يعُدُّ علينا الخطوات

عيناكِ تصنعان هذه المدينة

تُرتّبان الأشجارَ

على الجانبين

و تُلوّنانِ

أبوابَ الحانات

آخذُ يدَكِ في خصري

فنضيءُ معاً

و نطيرُ

نطيرْ

في رونقِ الحواراتْ.