الجمعة، مارس 25، 2016

القهوة بتعتي !






لا أعرف في الحقيقة كيف ينشأ الدافع إلى الكتابة، هو يأتي من العدم، شعورٌ مُلحّ مثل الرغبة إما أن تتجاهله فيبقى قلبك مضطرباً، أو تكتب لتهدأ ! عن ماذا سأكتب ؟لاأدري ! ما يهمني أني أمام صفحة الword أعبث بأزرار "الكيبورد" بحثاً عن   شيء أكتبه . يجب أن أقول أني في حالة مُزرية، في حالة من اللاجدوى، أتوق إلى الترتيب و الهدوء و مبلغ من المال يأتيني من السماء كل شهر، أستعين به على شراء الشاي و الخبز و الكتب. قبل فترة كلّمتني وزارة التعليم  حتى أشغل حيّزاً لمدة  شهر عِوض مُعلّم قد كُسرت رجله فدخل في إجازة طويلة، قلت لهم "إن شاء الله"، لم أعطهم جواباً حاسماً، لقد أصابتني رجفة خفيّة .. نعم رجفة، أحدثها الخوف، لفقداني إلى الجاهزية النفسية أو الاستعداد النفسي، خصوصاً أن الفئة التي سأعلّمها هي من فئة الشباب المراهقين، و الذين أثق كل الثقة بأنهم مشوّهون نفسياً و داخلياً، فإن التعامل معهم يحتاج إلى خبرة كبيرة و باعٍ طويل في ميدان التربية و أنا لا زلت طريّاً رغم اقترابي من الثلاثين، باختصار لأني و الآلاف غيري لم يقتحموا حلبة العمل بسبب الوضع المتدني و الرديء في هذا البلد. فكرت في الاعتذار و البقاء في عُزلتي مع أشيائي الأثيرة، لكني تساءلت في نفسي : كيف ستواتيني الخبرة دون الممارسة، و أنا جالسٌ هكذا، لابد أن أقبل مهما كانت المتاعب و الصعوبات. قررت الذهاب إلى الوزارة لتوقيع العقد المطلوب ثم مارست أول يومٍ لي، تحقق كل ما ظننته، كل ما تخيلته قد كان و صار، هناك وجوه في الفصل يشعر الناظر إليها بأن أصحابها محكومٌ عليهم بالمؤبد، آخرون يبدو عليهم الاحتيال و آخرون سفّاحون تقدح عيونهم الشر و الشرر، و أشكال أخرى كثيرة مريبة و تصرفات و حركات ليس لها علاقة بالتربية، هل أنا حقاً داخل فصل مدرسي أم أنا في زنزانة أتقمص شخصية الواعظ الذي سيرشدهم إلى سبيل الخير ! مضى الشهر بالتي هي أسوأ، و شعرت بسعادة غامرة حينما انتهى عقدي، طير حبيس مضطهد فتحوا له باب القفص، التعليم متهاوي، سلبي، غير مجدي و أخلاق الجيل في أعلى مستويات الانحطاط، في اعتقادي أن أفضل مرحلة يمكن لي تدريسها هم الأطفال الذين في سن التاسعة و العاشرة . عدتُّ من جديد إلى عزلتي، عدت إلى إبراهيم نصرالله و ملهاته عدت إلى الشحات أنور و السيد متولي و نصير شمة و شربل روحانا، عدت إلى الآثار الكاملة لكافكا و التي سوف أعكف عليها طيلة الفترة القادمة بعد انتهائي من قصص نصرالله. سأرقب شجرة السرو من جديد، و أقيس المسافات بالأغاني كما كنت سابقاً، أتفرّع مثل الدالية على حبال الأفكار التي لا تنضب. قبل يومين أصابتني حالة من الاكتئاب لأن اللوحة التي رسمها لي صديقي الفنان (أيمن الأسطل) عندما تم تثبيتها على حائط صالون البيت كانت مائلة بمقدار سنتيمتر واحد، ذلك التشوه الممعن في البساطة و العاديّة تضخّم في رأسي مثل أخطبوط كبير، صار يعضّني و يضربني بأطرافه الطويلة و يقلق طمأنينتي دوماً، إنني مُصاب منذ طفولتي بالوسواس القهري، الأمر الذي أدى إلى تدمير حياتي بشكل ملحوظ، بسببه خرّبت أحلامي و طموحاتي و بقيت عارياً أمام نفسي و الزمن .. ذلك المرض شائك، مريع، فظيع، قاتل. اللعنة .. إني أفقد وعيي تدريجياً و تركيزي و الانتباه، أتلاشى مثل الزبد، أنا الزبد ! لا أملك غير الهواء حولي، دائماً أرنو إلى رؤية النوارس تعبر زرقة البحر جيئةً و ذهابا، أرنو إلى الفضيلة ! و الآن أريد بصورة ملحة أن أذهب إلى كافتيريا واسعة جميلة، أجلس في ركنها البعيد، أصفق للجرسون و أقول له : "القهوة بتعتي لو سمحت " ثم أفتح الجريدة المطوية التي معي!



خان يونس | الجمعة 25-3-2016



0 التعليقات: