السبت، يناير 16، 2016

قصة عبد الوهاب البياتي و محمود درويش | من كتاب صحراء المماليك









كان عبد الوهاب البيّاتي بخفة ظله الخارقة يحكي لنا كيف أنه

 أكل البنت من الشاعر الفلسطيني محمود درويش، أصل الحكاية

 أنه كان مدعواً إلى مؤتمر في إحدى العواصم العالمية لعلها

 باريس فالتقى هناك صديقه و صديقنا الشاعر محمود درويش

 الذي كان مدعواً هو الآخر ممثلاً للشعر الفلسطيني، فإذا هو نجم

 نجوم المؤتمر قد وقع في غرامه عدد هائل من الفتيات من أجمل

جميلات العالم من شاعرات و صحفيات و مذيعات و مضيفات لكن

 محمود اختار من بينهن واحدة تتسق مع ذوقه النسائي الرفيع فإذا

 هي قصيدة لسيد شعراء الكون، و لكن من سوء بخت محمود أنه

 نزل مع البياتي في نفس الفندق، فبينما كان محمود و فتاته يحتسيان

 القهوة معاً في الريسبشن دخل عليهما البياتي ليشرب القهوة هو

 الآخر، حياهما و انفرد بنفسه في ركن قصي، إلا أن الفتاة ما إن

 رأته حتى فقدت توازنها و تكهربت و جعلت ترسل له النظرات

 المنبهرة الوالهة إذ من الواضح أنها عرفت أنه الشاعر العربي

 الكبير عبد الوهاب البياتي قريب ناظم حكمت و لوركا و بابلو

 نيرودا، أحس البياتي أن الفتاة تريد تريد أن تقول له شيئاً مهماً،

 لعلها تريد - لولا بقية من ذوق و حياء - أن تترك محمود و تأتي

 إليه، أحسّ كذلك أن محموداً قد امتعض منها لهذا السبب و أنه

 يبذل جهداً استثنائياً ليشدها إليه و يصرف انتباهها عن البياتي؛

 و بدا للبياتي أنه قد نجح في ذلك بالفعل حيث امتنعت الفتاة عن

 النظر إليه و ركزت كل انتباهها في الاستماع إلى حديث محمود

 الهامس، لكن يبدو أن سجائره قد نفدت فاستأذن منها ريثما

 يختطف علبة سجائر من غرفته، و مشى في اتجاه المصعد فما

 إن غاب جسده داخل المصعد حتى انتقلت الفتاة و جاءت إلى

 البياتي فصافحته في اشتياق حار، ولابد أن كاريزماه الخاصة هي

 التي جذبتها إلى أخذه بالحضن و تقبيله في خديه معبّرة له عن شديد

 امتنانها و افتتانها بشعره و هاهي ذي تُفتتن بشخصه من أول ما رأته،

دعاها للجلوس، طلب لها مشروباً، راح يستمع بشغف إلى صوتها

 الخفيض الناعم و هي تحدثه عما يفعل شعره في خيالها فإذا بها

 تركيّة مسلمة تتحدث العربية بطلاقة مع أنها مقيمة في فرنسا،

و فيما هو مستمتع بما تضخّه عليه من إشعاعها الأنثوي الهادر

 لمح محموداً آتياً من ممر المصعد، رآه ينظر إلى حيث كان جالساً

 مع فتاته فلم يجدها و لم يَعْنِ بالركن الذي ينزوي فيه البياتي مع فتاته

 السليبة، استدار لينصرف خارجاً، قال البياتي : حبيت أقطع قلبه نهائياً

 فقلت له : محمود، فتلفّت و رآنا معاً ! قلت له : تفضل ياراجل خذ القهوة

 معنا، قال شكراً و مشى ! ثم يضيف البياتي ساخراً بلهجة ذات معنى :

- محمود أخي و حبيبي أي نعم و لكن ما إلو في هالقضية !

ثم يُكمل راوي الحكاية :

عند هذه الذروة فرغ كل مافي صدري من ضحك، تركتهم و عبرت

 الشارع إلى المكتبة العراقية و أنا غير قادر على السيطرة على نفسي

 من فرط الإغراق في الضحك من عبارتين للبياتي الجميل :

(حبيت اقطع قلبه نهائياً) و (لكن ما إلو في هالقضية) يعني أن محموداً

ليس فارساً في النساء أو شيئاً من هذا القبيل، أي طفولة و صبيانية

ساحرة! ما أبدعها من مَعْيلة حين يفيق الكبار في لحظة من اللحظات من

 ثقل القضايا الكبيرة و الهموم الضخمة الضاغطة فيكتشفون

- ربما للمحة عابرة – أن الزمن قد سرق منهم طفولتهم و شبابهم ثم

 انثنى يبيع لهم بعض من مشاهد أطيافها، سرعان ما يتعرفون فيها


على شبابهم المسروق فيتشبثون بها ظنّاً بأنها رُدّت إليهم !


ـــــــــــــــــــ


من كتاب صحراء المماليك - خيري شلبي




0 التعليقات: