السبت، فبراير 14، 2015

ليلة المتصوف الأخيرة - قصة قصيرة









تشبثّت عيناه بلآلئ الليل البعيدة عنه .. البعيدة جداً، تذكر كيف كان يمد يده طيلة 

سهره لعلّ أمنياته تطير إليها فتسقط واحدةٌ في يده و يتعلم تسابيحها، أفلتت تنهيدةٌ

 منه لو وصلت لنجومه لأذابتها كلها ثم عاد لحرقته متسائلاً عن المسافة التي 

بمقدوره الآن أن يحسبها بطول إصبعه بين كل نجمة و أخرى كم تبلغ في الحقيقة..آه 

الحقيقة، ثم عاد للتذكّر مرة أخرى و شبّت حرقةٌ داخله شعر بأن ضلوعه تكاد تئن

 من وطأة السّعير .. صار ينشد :


هب اللظى في جوفي الصغير

فامنح روحي برداً و سلاما

يا خالق فكري من وحيكَ القدير

سامح عبداً قلقلتهُ الندامة

دخل إلى مجلسه ثم تربّع كالعادة، تناول مسبحته من صُوانٍ متواضع بجواره، أخذ

 يحرّك حبّاتها و يتمتم : سبحان الله، سبحان من مدّ البحر بموجه الذي لا يني و لا 

يتعب، سبحان من أسرى بعبده و عرجَ به إلى خير منصب، سبحانك إني ... 

لم يستطع أن يُكمل فكأن حجراً صغيراً ثَبُتَ في حلقه منعه من الكلام و التواصل مع 

أهل السماء، ذرفت عيناه دمعتين مسقيتين من بطن الشمس سقطتا على مسبحته

 التي أخذ يُضمّخها بهما علهما تغسلان ما قد مضى!

أجل هناك طارئٌ ما يجعله لا يستطيع أن يكمل فروضه و تواصله الإلهي و صلاته،

 إن صفحة روحه لم تعد كما كانت، هناك ما يعكرها رغم توبته و أوبته و استغفاراته

 الطويلة، الخلق كلهم يخطئون و يتوبون ثم يخطئون و يتوبون و يكملون حياتهم 

السابقة دون خدشٍ يُذكر، بل هناك من يخطئ بأكبر من خطئه بكثير و يرجع إلى

ربه نادماً فيستقيم و يحيا سعيداً، لماذا هو لا يمكنه ! إنه ليس مثلهم .. أبداً، إنه في 

نفسه و صلاته و تجليّاته ليس مثلهم أبداً، منذ لمس ذلك السر بداخله .. ثم يأتي خطأٌ

 صغير قام به ليهدم كل تلك السنوات من التعبُّد و الشفافية و الذوبان في الحب

 الإلهي، أفلتت منه تنهيدةٌ أخرى أقوى تأثيراً من سابقتها ثم أمسك مسبحته و عاد 

إلى ذِكْرهِ : اللهم الذي تُحصي أنفاسي اسمه في كل ثانيةٍ تدور، اللهم يا منقذ يونس

 من بطن الحوت في البحر المسجور، اللهم إني ...

توقّف مرة أخرى، عضَّ على مسبحته بيده و انهمرت منه الدموع فكأنها مطرٌ و

 عيناه سحابتان !

أعاد المسبحة إلى الصُّوان و قام من مجلسه ثم نزع عمامته واضعاً إياها في أحد

 الأطراف، توقّف لحظاتٍ في منتصف الغرفة و صار يردد : لن يصلح بعد الآن .. لن 

يصلح بعد الآن، ثم خرج ببطئٍ شديد لينخرط في المارّة !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صدقي ممدوح شُرّاب
خان يونس 
14/2/2015



0 التعليقات: