الأربعاء، فبراير 11، 2015

مطر | قصة قصيرة









عندي ميول لأن أسميهِ علي ، و أنه لم يتجاوز السابعة و له أذنان مفلطحتان و

عينان صافيتان تشعر بأنكَ تصيرُ ناعماً أو طرياً كمحصول قطنٍ طازج و أنت تنظر


فيهما و لا يخلو من شقاء الأطفال المحبوب. الأب و الأم يجلسان قُبالة التلفاز ليلاً،


لنرى ماذا ستقول نشرة الطقس ، يقول الأب. يتوقف علي عن كل الأمور البسيطة


التي كان يفعلها أو يفكر بها ويأخذ في ملاحظة أبيه الذي يبدو تركيزه مهماً جداً على


شاشة التلفاز .


تنتهي النشرة و يأمر الأب علي بأن يذهب إلى غرفته لينام حتى يستيقظ مبكراً من


أجل مدرسته . في صباح اليوم التالي بينما الأم في المطبخ تعد الفطور و الشاي يقف


 علي بمحاذاتها و يشدها من ثوبها : ماما ماذا تعني نشرة الطقس ؟ نظرت إلى عينيه

السائلتين ثم طارت من روحها قبلةٌ كبيرة إليهما . أجابت : نشرة الطقس هذه هي التي


تخبرنا بحالة الجو إذا كان مشمساً أو ممطراً هكذا يعني . ازدادت عيناه اتساعاً ثم 


انحنت الأم و قبلته على خده ، سألها مرة أخرى لكن بلهفة أكثر وضوحاً : و ماذا


قالت نشرة الطقس عن اليوم ؟


_ قالت بأنها سوف تمطر .


و هو يرفع حاجبيه :


_ حقاً !


_ هكذا قالوا في النشرة .


ثم وضعت له الساندويتشات في حقيبته. أسرع علي إلى غرفته و صار يفتش عن


مظلته الصغيرة حتى عثر عليها موضوعةً أسفل السرير فزحف إليها و سحبها خارجاً.


طول الطريق إلى المدرسة و هو ينظر إلى السماء و بين التردد بأن يفتح مظلته أو لا،


وصل إلى المدرسة و دخل إلى الفصل و هو في حزنه المتنامي لأن قطرة واحدة لم 


تسقط أثناء سيره . جلس على مقعده و قلبه معلّقٌ بالنافذة ، لا يريد أن يغفلَ عنها 


لحظة واحدة خشية أن تمطر و هو شاردٌ عن ذلك بما يحيطه من طلبة و معلّمين . 


الوقتُ عند علي صار أرجوحة صامتة بحاجة إلى من يهزها و لا شيء غير المطر 


عنده يفعل ذلك، و يقيناً هو لم يستفد كلمة واحدة من الدروس المقررة عليه في هذا 


اليوم ، كان نظره موزعاً بين النافذة و مظلته المسكينة التي ساءته حالة الجفاف 


التي هي بها و بين المعلّم الواقف أمامهم، كان يقوم بدور المراقب له لا المنتبه حتى


لا يلحظ عليه تشتته فيوبخه !


أراد أن يماطل الزمن، فانتظر حتى خرج الأطفال كلهم من الفصل، بقي لثوانٍ معدودة


ثم خرج بعدهم و أخذ يتلكأ في الطريق و كلما ازداد قرباً من البيت تجهم وجهه قليلاً


حتى وصل إلى باب البيت و هو يكاد يبكي . فتحت له أمه وما إن وطأت قدمه البيت 


حتى ألقى بالمظلة جانباً و نظر إليها بعينين حزينتين : إنها لم تمطر . أشفقت عليه من


حزنه البريء و جرّته بحنان إلى حضنها ثم و هي تداعبه أخبرته أن ليس كل ما تذيعه


نشرة الطقس يكون صحيحاً و أنها محض تنبؤات ليس أكثر . في الليل و كالعادة جلس


أبوه و إلى جواره أمه في الغرفة لمشاهدة التلفاز و هو كعادته أيضاً بشتغل بأموره


التي تخصه سواء كانت ملموسة أو محسوسةً بداخله . و بمجرد أن سمع المذيع


يعلن عن نشرة الطقس حتى ولّى هارباً من الغرفة !



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صدقي ممدوح شُرّاب | خان يونس


1 التعليقات:

P A S H A يقول...

هايلة
:)