الاثنين، فبراير 23، 2015

قديماً عندما كنت "لمبة نيون"








(1)


لم أشأْ، و شاءت الأقدار

كنتُ الأول في الفصل

و من وراء .. وراءْ

كان يجلسُ الحمار

و كنت في دفتري

أجمعُ القارّاتِ كلها

أعربُ الجُملَ كلها

و ألعبُ بالأصفار

صاحبنا كان حائطاً

دلْواً، لا يعرف الفرق

بين الدودة و المِسمار

ثم قضينا أعماراً

تلو الأعمار

انفضّت الحُجبُ

و أُزيل السّتار

فوجدُّتني عالةً،

يقضي الوقتَ مُفكّراً

بين البطالةِ و الانتحار

و وجدُّته جالساً

بربطة عنقٍ جميلة

خلف مكتبهِ الحمار !




(2)


أخبرني المطرُ النازلْ :

انزع عُشْبَكَ و

حنطَتكْ؛

لستُ لكْ !




(3)


تحترقُ الوسادة

تحت وطأة الرأس المُتْخمِ

بالوقت و اليأس و البلادة

ــ  ماهي الإفادة ؟

 ــ إن البطالة عبادة

    إن البطالة عبادة !




(4)


دار هذا الحوار

على إثْر عطسةٍ

بين اثنين على

مقهى،

يستندان إلى الجدارْ :

        ــ يرحمكم الله

   ــ يهديكم

             ــ أنا فلان الفلاني

                 ــ و أنا علّان المختار

                        ــ ماشاء الله .. ماشاء الله !

     ــ و أنت ؟

                              ــ أنا عاطلٌ قيد البحث و الإخطار.

         ــ يرحمكم الله !


صدقي ممدوح شُرّاب | خان يونس




السبت، فبراير 14، 2015

ليلة المتصوف الأخيرة - قصة قصيرة









تشبثّت عيناه بلآلئ الليل البعيدة عنه .. البعيدة جداً، تذكر كيف كان يمد يده طيلة 

سهره لعلّ أمنياته تطير إليها فتسقط واحدةٌ في يده و يتعلم تسابيحها، أفلتت تنهيدةٌ

 منه لو وصلت لنجومه لأذابتها كلها ثم عاد لحرقته متسائلاً عن المسافة التي 

بمقدوره الآن أن يحسبها بطول إصبعه بين كل نجمة و أخرى كم تبلغ في الحقيقة..آه 

الحقيقة، ثم عاد للتذكّر مرة أخرى و شبّت حرقةٌ داخله شعر بأن ضلوعه تكاد تئن

 من وطأة السّعير .. صار ينشد :


هب اللظى في جوفي الصغير

فامنح روحي برداً و سلاما

يا خالق فكري من وحيكَ القدير

سامح عبداً قلقلتهُ الندامة

دخل إلى مجلسه ثم تربّع كالعادة، تناول مسبحته من صُوانٍ متواضع بجواره، أخذ

 يحرّك حبّاتها و يتمتم : سبحان الله، سبحان من مدّ البحر بموجه الذي لا يني و لا 

يتعب، سبحان من أسرى بعبده و عرجَ به إلى خير منصب، سبحانك إني ... 

لم يستطع أن يُكمل فكأن حجراً صغيراً ثَبُتَ في حلقه منعه من الكلام و التواصل مع 

أهل السماء، ذرفت عيناه دمعتين مسقيتين من بطن الشمس سقطتا على مسبحته

 التي أخذ يُضمّخها بهما علهما تغسلان ما قد مضى!

أجل هناك طارئٌ ما يجعله لا يستطيع أن يكمل فروضه و تواصله الإلهي و صلاته،

 إن صفحة روحه لم تعد كما كانت، هناك ما يعكرها رغم توبته و أوبته و استغفاراته

 الطويلة، الخلق كلهم يخطئون و يتوبون ثم يخطئون و يتوبون و يكملون حياتهم 

السابقة دون خدشٍ يُذكر، بل هناك من يخطئ بأكبر من خطئه بكثير و يرجع إلى

ربه نادماً فيستقيم و يحيا سعيداً، لماذا هو لا يمكنه ! إنه ليس مثلهم .. أبداً، إنه في 

نفسه و صلاته و تجليّاته ليس مثلهم أبداً، منذ لمس ذلك السر بداخله .. ثم يأتي خطأٌ

 صغير قام به ليهدم كل تلك السنوات من التعبُّد و الشفافية و الذوبان في الحب

 الإلهي، أفلتت منه تنهيدةٌ أخرى أقوى تأثيراً من سابقتها ثم أمسك مسبحته و عاد 

إلى ذِكْرهِ : اللهم الذي تُحصي أنفاسي اسمه في كل ثانيةٍ تدور، اللهم يا منقذ يونس

 من بطن الحوت في البحر المسجور، اللهم إني ...

توقّف مرة أخرى، عضَّ على مسبحته بيده و انهمرت منه الدموع فكأنها مطرٌ و

 عيناه سحابتان !

أعاد المسبحة إلى الصُّوان و قام من مجلسه ثم نزع عمامته واضعاً إياها في أحد

 الأطراف، توقّف لحظاتٍ في منتصف الغرفة و صار يردد : لن يصلح بعد الآن .. لن 

يصلح بعد الآن، ثم خرج ببطئٍ شديد لينخرط في المارّة !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صدقي ممدوح شُرّاب
خان يونس 
14/2/2015



الأربعاء، فبراير 11، 2015

مطر | قصة قصيرة









عندي ميول لأن أسميهِ علي ، و أنه لم يتجاوز السابعة و له أذنان مفلطحتان و

عينان صافيتان تشعر بأنكَ تصيرُ ناعماً أو طرياً كمحصول قطنٍ طازج و أنت تنظر


فيهما و لا يخلو من شقاء الأطفال المحبوب. الأب و الأم يجلسان قُبالة التلفاز ليلاً،


لنرى ماذا ستقول نشرة الطقس ، يقول الأب. يتوقف علي عن كل الأمور البسيطة


التي كان يفعلها أو يفكر بها ويأخذ في ملاحظة أبيه الذي يبدو تركيزه مهماً جداً على


شاشة التلفاز .


تنتهي النشرة و يأمر الأب علي بأن يذهب إلى غرفته لينام حتى يستيقظ مبكراً من


أجل مدرسته . في صباح اليوم التالي بينما الأم في المطبخ تعد الفطور و الشاي يقف


 علي بمحاذاتها و يشدها من ثوبها : ماما ماذا تعني نشرة الطقس ؟ نظرت إلى عينيه

السائلتين ثم طارت من روحها قبلةٌ كبيرة إليهما . أجابت : نشرة الطقس هذه هي التي


تخبرنا بحالة الجو إذا كان مشمساً أو ممطراً هكذا يعني . ازدادت عيناه اتساعاً ثم 


انحنت الأم و قبلته على خده ، سألها مرة أخرى لكن بلهفة أكثر وضوحاً : و ماذا


قالت نشرة الطقس عن اليوم ؟


_ قالت بأنها سوف تمطر .


و هو يرفع حاجبيه :


_ حقاً !


_ هكذا قالوا في النشرة .


ثم وضعت له الساندويتشات في حقيبته. أسرع علي إلى غرفته و صار يفتش عن


مظلته الصغيرة حتى عثر عليها موضوعةً أسفل السرير فزحف إليها و سحبها خارجاً.


طول الطريق إلى المدرسة و هو ينظر إلى السماء و بين التردد بأن يفتح مظلته أو لا،


وصل إلى المدرسة و دخل إلى الفصل و هو في حزنه المتنامي لأن قطرة واحدة لم 


تسقط أثناء سيره . جلس على مقعده و قلبه معلّقٌ بالنافذة ، لا يريد أن يغفلَ عنها 


لحظة واحدة خشية أن تمطر و هو شاردٌ عن ذلك بما يحيطه من طلبة و معلّمين . 


الوقتُ عند علي صار أرجوحة صامتة بحاجة إلى من يهزها و لا شيء غير المطر 


عنده يفعل ذلك، و يقيناً هو لم يستفد كلمة واحدة من الدروس المقررة عليه في هذا 


اليوم ، كان نظره موزعاً بين النافذة و مظلته المسكينة التي ساءته حالة الجفاف 


التي هي بها و بين المعلّم الواقف أمامهم، كان يقوم بدور المراقب له لا المنتبه حتى


لا يلحظ عليه تشتته فيوبخه !


أراد أن يماطل الزمن، فانتظر حتى خرج الأطفال كلهم من الفصل، بقي لثوانٍ معدودة


ثم خرج بعدهم و أخذ يتلكأ في الطريق و كلما ازداد قرباً من البيت تجهم وجهه قليلاً


حتى وصل إلى باب البيت و هو يكاد يبكي . فتحت له أمه وما إن وطأت قدمه البيت 


حتى ألقى بالمظلة جانباً و نظر إليها بعينين حزينتين : إنها لم تمطر . أشفقت عليه من


حزنه البريء و جرّته بحنان إلى حضنها ثم و هي تداعبه أخبرته أن ليس كل ما تذيعه


نشرة الطقس يكون صحيحاً و أنها محض تنبؤات ليس أكثر . في الليل و كالعادة جلس


أبوه و إلى جواره أمه في الغرفة لمشاهدة التلفاز و هو كعادته أيضاً بشتغل بأموره


التي تخصه سواء كانت ملموسة أو محسوسةً بداخله . و بمجرد أن سمع المذيع


يعلن عن نشرة الطقس حتى ولّى هارباً من الغرفة !



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صدقي ممدوح شُرّاب | خان يونس