الثلاثاء، يناير 06، 2015

النافذة | قصة قصيرة








كيف لم أنتبه إلى ذلك من قبل ؟! بعد عامين كاملين من انتقالي إلى هذه الغرفة ألاحظ 

أن نافذتها أصغر مما كانت عليه !

كانت ليلة قمرية أصابني فيها أرقٌ عنيد بعد انقطاع الكهرباء لأكثر من اثنتي عشرة 

ساعة و الذي كادت أعصابي و خلاياي العقلية تتلف بسبب ذلك، تقلبت على السرير

 مثل المحموم أو كالقائد المهزوم في معركته الأخيرة، و قد تسللت أشعة القمر عبر

 النافذة مما سمح لي أن أتعرف على هيأتها في الظلام الحالك المنتشر، استندت فجأة

 على حافة السرير بعد أن كنت مستلقياً عليه، كالمتنبّه إلى شيء ما غير 

مألوف ..عجباً لقد كانت تلك النافذة أكبر من ذلك، ثم أخذت أدقق فيها زاوياً عينيّ

 حتى أستلهم المزيد من الإبصار، كيف تقلصت بهذا الشكل! أنا واثق من أنها كانت

 أكبر، و أنني كنت سعيداً باتساعها، فالنافذة الكبيرة عندي متعةٌ غير محدودة ، مثلها

 كالمرأة و السجائر الفاخرة و جاكيتات الجوخ، تخيلوا رجلاً يتزوّج امرأة دون أن

 يراها ثم في ليلة الزفاف يجدها قبيحةً .. تخيلوا صدمته! هذا ما حدث معي

 بعدما اكتشفت أن النافذة أصغر من المساحة التي قد تعودتُّ عليها، و التي أحن إليها

 كلما أطلت الغياب عن الغرفة، أقرأ جنبها و أسمع للشيخ (الشحات محمد أنور) و

 أحل بعض المسائل الرياضية من الكتاب الذي اشتريته من أجل أن أُقوّي نفسي في

 الرياضيات، فمرة كنت مدعواً على الغداء عند أحد أصدقائي و بعد الأكل و نحن

 نشرب الشاي جاءتني أخته الصغيرة تطلب مني مساعدتها في حل بعض المسائل

 كوني دارساً لتخصص علميّ، و فوجئتُ لعدم معرفتي و أعترف أنني قد ارتكبت 

جريمة حينما أعطيتها بعض القوانين التي كانت وليدة اللحظة و ليس لها أي علاقة 

بالصحة حتى أحفظ ماء وجهي، و من يومها قررت أن أراجع معلوماتي الرياضية و

 اشتريت كتاباً متخصصاً و خصصت جزءاً من وقتي للدراسة و حل الأسئلة.

نعود للنافذة .. و كان استغرابي شديداً، قمت من مكاني مقترباً منها لامساً زجاجها و

 محاولاً قياس طولها و عرضها بالأشبار مستخدماً يدي و كأني كنت أعرف كم تساوي

 مسبقاً ! هل من الممكن أن يكون من تأثير الظلام، و أنه من الممكن أن عينيّ قد 

أصابهما شيءٌ ما فصارتا تريا الأشياء أصغر، أخرجت مصباحاً يدوياً صغيراً و جهته 

إلى أحد أركان الغرفة و نقلت نظري إلى الكرسي المركون في الزاوية .. إن حجمه 

كما هو لم يتغير !

السرير .. المخدة، أصابعي .. المرآة المعلقة، كلها كما هي .. وجهت المصباح إلى

النافذة متأملاً أن أكون قد استفقتُ تماماً و أن ما رأيته مسبقاً لم يكن سوى هلوسة 

ليلية لكن لا .. مازالت على مساحتها الجديدة، اممممم .. تناولت هاتفي و اتصلت 

بالمسؤول عن النُّزُل، و كنت أعلم أنه من الغباء أن أقوم بذلك .. لكني كنتُ مُسيّراً لا

 مُخيّر :

- ألو .. سيد (....) أعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت، هل تسمح لي بسؤال ؟

- يم يم يم ( يبدو أني أيقظته ! ) خير يا ( .... )

- هل قمتم بتغيير النوافذ اليوم ؟

- ..................................

لقد أغلق الخط في وجهي، معه حق .. ياله من سؤال غبي، خصوصاً في هذا الوقت !

و ماذا مع هذه الحيرة التي ألمّت بي، ألا يكفيني الأرق اللعين .. هل من الممكن أن 

يكون قد تهيّأ لي أنها كبيرة و أنها أصلاً بهذه المساحة الصغيرة من قبل، جائز .. 

خصوصاً أن نفسيّتي كانت فائضة بالفرح، و روحي منطلقة كفراشة بين الزّهر  

فأكون وقتها قد أحسست أن النافذة كما يحلو لي أن تكون، و أن السلام الداخليّ الذي

 كنت أنعم به هو من ساعدني على ذلك التصور، جائز !

ثم قارنت بين ما كنت عليه و مما أنا فيه من مشكلات و معاناة كبيرة، بسبب عوامل

كثيرة تجعل المرء يهمل نفسه و يتقبل واقعه المرير رغماً عنه لأنه أقوى منه بمراحل

حتى المحاولة تجده يضنُّ بها عليك، و مما في ذلك من تأثير سلبيّ واضح ينغرس

في النفس فينتشر مثل النار في الهشيم موزعاً بذوره في تربتك، فسرعان ما تنمو

و سرعان ما يكون الحصاد، جائز !

عدتُّ إلى سريري قانعاً بما وصلتُ إليه، و نمت خاشياً أنه ليست هناك نافذة أصلاً

و أن أستيقظ واجداً قُبالتي جداراً أصم خالياً من أي شيء، حتى من ثقبٍ صغير !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدقي ممدوح شراب

خان يونس| 6/1/2015






0 التعليقات: