السبت، يناير 31، 2015

حديث اللوز لأخيه







إلى : أحمد إبراهيم إسماعيل




في صباح اليمامةِ الأخضر

غمستْ ريشها في الندى الطّليق

ثم غنّت للسائرينَ

لوزها و

برقوقها السُّكْر

كنتُ ماكثاً في حدوتة الصّغار

أحاول إصلاح الحصان الخشبيّ

لليتيم الذي تركه أصدقاؤه

قبل أن ألمح اليمامةَ و اسمَكَ

يدخلانِ العنوانَ

ثم يتركان حديقةً و سقفاً خشبياً

يمرحُ فيه الفلكْ 

فصار اليتيم سعيداً

و اللوزةُ التي في حواشي النهنهةِ

أثمرتْ

قرأتُ عليك السلامَ مرّتين :

و أنت تشقُّ بعصاكَ البَحْرَ

و مرةً كنتَ تمسح فيها جبين غيمةٍ

آتيةٍ إلينا !

في صباح اليمامة الأخضر

قال لها اللوزُ :

أنك أخوهُ !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صدقي شُرّاب
خان يونس
31/1/2015


الثلاثاء، يناير 06، 2015

النافذة | قصة قصيرة








كيف لم أنتبه إلى ذلك من قبل ؟! بعد عامين كاملين من انتقالي إلى هذه الغرفة ألاحظ 

أن نافذتها أصغر مما كانت عليه !

كانت ليلة قمرية أصابني فيها أرقٌ عنيد بعد انقطاع الكهرباء لأكثر من اثنتي عشرة 

ساعة و الذي كادت أعصابي و خلاياي العقلية تتلف بسبب ذلك، تقلبت على السرير

 مثل المحموم أو كالقائد المهزوم في معركته الأخيرة، و قد تسللت أشعة القمر عبر

 النافذة مما سمح لي أن أتعرف على هيأتها في الظلام الحالك المنتشر، استندت فجأة

 على حافة السرير بعد أن كنت مستلقياً عليه، كالمتنبّه إلى شيء ما غير 

مألوف ..عجباً لقد كانت تلك النافذة أكبر من ذلك، ثم أخذت أدقق فيها زاوياً عينيّ

 حتى أستلهم المزيد من الإبصار، كيف تقلصت بهذا الشكل! أنا واثق من أنها كانت

 أكبر، و أنني كنت سعيداً باتساعها، فالنافذة الكبيرة عندي متعةٌ غير محدودة ، مثلها

 كالمرأة و السجائر الفاخرة و جاكيتات الجوخ، تخيلوا رجلاً يتزوّج امرأة دون أن

 يراها ثم في ليلة الزفاف يجدها قبيحةً .. تخيلوا صدمته! هذا ما حدث معي

 بعدما اكتشفت أن النافذة أصغر من المساحة التي قد تعودتُّ عليها، و التي أحن إليها

 كلما أطلت الغياب عن الغرفة، أقرأ جنبها و أسمع للشيخ (الشحات محمد أنور) و

 أحل بعض المسائل الرياضية من الكتاب الذي اشتريته من أجل أن أُقوّي نفسي في

 الرياضيات، فمرة كنت مدعواً على الغداء عند أحد أصدقائي و بعد الأكل و نحن

 نشرب الشاي جاءتني أخته الصغيرة تطلب مني مساعدتها في حل بعض المسائل

 كوني دارساً لتخصص علميّ، و فوجئتُ لعدم معرفتي و أعترف أنني قد ارتكبت 

جريمة حينما أعطيتها بعض القوانين التي كانت وليدة اللحظة و ليس لها أي علاقة 

بالصحة حتى أحفظ ماء وجهي، و من يومها قررت أن أراجع معلوماتي الرياضية و

 اشتريت كتاباً متخصصاً و خصصت جزءاً من وقتي للدراسة و حل الأسئلة.

نعود للنافذة .. و كان استغرابي شديداً، قمت من مكاني مقترباً منها لامساً زجاجها و

 محاولاً قياس طولها و عرضها بالأشبار مستخدماً يدي و كأني كنت أعرف كم تساوي

 مسبقاً ! هل من الممكن أن يكون من تأثير الظلام، و أنه من الممكن أن عينيّ قد 

أصابهما شيءٌ ما فصارتا تريا الأشياء أصغر، أخرجت مصباحاً يدوياً صغيراً و جهته 

إلى أحد أركان الغرفة و نقلت نظري إلى الكرسي المركون في الزاوية .. إن حجمه 

كما هو لم يتغير !

السرير .. المخدة، أصابعي .. المرآة المعلقة، كلها كما هي .. وجهت المصباح إلى

النافذة متأملاً أن أكون قد استفقتُ تماماً و أن ما رأيته مسبقاً لم يكن سوى هلوسة 

ليلية لكن لا .. مازالت على مساحتها الجديدة، اممممم .. تناولت هاتفي و اتصلت 

بالمسؤول عن النُّزُل، و كنت أعلم أنه من الغباء أن أقوم بذلك .. لكني كنتُ مُسيّراً لا

 مُخيّر :

- ألو .. سيد (....) أعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت، هل تسمح لي بسؤال ؟

- يم يم يم ( يبدو أني أيقظته ! ) خير يا ( .... )

- هل قمتم بتغيير النوافذ اليوم ؟

- ..................................

لقد أغلق الخط في وجهي، معه حق .. ياله من سؤال غبي، خصوصاً في هذا الوقت !

و ماذا مع هذه الحيرة التي ألمّت بي، ألا يكفيني الأرق اللعين .. هل من الممكن أن 

يكون قد تهيّأ لي أنها كبيرة و أنها أصلاً بهذه المساحة الصغيرة من قبل، جائز .. 

خصوصاً أن نفسيّتي كانت فائضة بالفرح، و روحي منطلقة كفراشة بين الزّهر  

فأكون وقتها قد أحسست أن النافذة كما يحلو لي أن تكون، و أن السلام الداخليّ الذي

 كنت أنعم به هو من ساعدني على ذلك التصور، جائز !

ثم قارنت بين ما كنت عليه و مما أنا فيه من مشكلات و معاناة كبيرة، بسبب عوامل

كثيرة تجعل المرء يهمل نفسه و يتقبل واقعه المرير رغماً عنه لأنه أقوى منه بمراحل

حتى المحاولة تجده يضنُّ بها عليك، و مما في ذلك من تأثير سلبيّ واضح ينغرس

في النفس فينتشر مثل النار في الهشيم موزعاً بذوره في تربتك، فسرعان ما تنمو

و سرعان ما يكون الحصاد، جائز !

عدتُّ إلى سريري قانعاً بما وصلتُ إليه، و نمت خاشياً أنه ليست هناك نافذة أصلاً

و أن أستيقظ واجداً قُبالتي جداراً أصم خالياً من أي شيء، حتى من ثقبٍ صغير !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدقي ممدوح شراب

خان يونس| 6/1/2015






الخميس، يناير 01، 2015

العهد الآتي - أمل دنقل







"قلتُ فليكن الحبُّ في الأرض، لكنه لم يكنْ

أصبح الحب مِلْكاً لمن يملكون الثمنْ"


إن لشاعرٌ خطير ، و خطيرٌ لأقصى حد .. لدرجة أني لمست حرارة أنفاسه و وعيتُ 

التقاء حاجبيه الغضوبيْن ..

القلم بين يديه بندقية، العبارات قنابل والكلمات رصاص!

يجعلني أستشهد ثم أحيا بقُدرةٍ .. فأغضب و أغضبُ و أغضبْ !

فلتقم يا سيدي، امسح وجهي براحتيك الخشنتين، علّهُ يُطْلِعُ حنطةً 

تأكل منها العصافير الغريبة!


من العهد الآتي


" هذه الأرض حسناءُ، زينتها الفقراءُ، لهم تتطيّبُ

يعطونها الحُبَّ ، تعطيهم النسلَ و الكبرياء

قلت : لا يسكن الأغنياء بها .. الأغنياء الذين

يصوغون من عرق الأُجراء نقود زنا .. و لآلئ

تاجٍ و أقراطَ عاجٍ .. و مسبحةً للرياء

إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين،

يموتون محتسبين لديّ العزاء

قلت : فلتكن الأرض لي .. ولهم!

( و أنا بينهم )

حين أخلع عني ثياب السماء

فأنا أتقدّس -في صرخة الجوع- فوق الفراش

الخَشِنْ ! " 



من العهد الآتي


" اشترى في المساءْ

قهوةً و شطيرة

و اشترى شمعتين و غدّارةً و ذخيرة

و زجاجة ماءْ 

...  ...

عندما أطلقَ النارَ كانت يدُ القدس فوق الزّنادْ

( و يد الله تخلع عن جسد القدس ثوب الحِدادْ )

ليس من أجل أن يتفجّر نفط الجزيرة 

ليس من أجل أن يتفاوضَ من يتفاوضُ

من حول مائدةٍ مستديرة 

ليس من أجل أن يأكل السادةُ الكستناءْ "


من العهد الآتي


" و أنا كنت بين الشوارع وحدي!

و بين المصابيح وحدي!

أتصبب بالحزن بين قميصي و جلدي

قطرةً .. قطرة، كان حبي يموتْ

و أنا خارجٌ من فراديسه ..

دون ورقةِ توتْ !! )




ممر معتم يصلح لتعلم الرقص | إيمان مرسال







لم أفهمها بدقة، هل هي متشائمة أم حزينة .. أم هو شعور غير ذلك أصلاً و تنفرد به

 لنفسها، و كنت كل خمسة أسطرٍ أو ستة أدخل إليها، أطرق عليها القلب فلا تأذن لي 

و لا تتركني و اقفاً !

ألمس أوتارها المشدودة، فيتردد لي صوتٌ كأنه .. لحن !

أستطيع أن أجزم أن موت أبيها قد صنع بها الكثير، و أنه هو الذي كوّن لها كل تلك

 الصور.

تقول إيمان و هي واقفة تتأمل جسد أبيها الميت و المُسجى على سرير المستشفى : 

" قد لا يحدثُ

أن آخذ أبي في آخر العام إلى البحر.

لهذا 

سأعلّق في مقابل سريره 

صورة مُصطافين،

و شطوطاً ممتدة لجهات لا أعلمها،

قد لا يحدث أن يراها.

لهذا 

سأكتم صوت تنفُّسي

و أنا أبلّل أطراف أصابعه بمياه مالحة،

و سأصدّق بعد سنواتٍ

أنني سمعته يقول :

أشم رائحة اليود. "


من الديوان أيضاً :


" عادةً ما يكون للأطباء أنوف حادة

و نظارات زجاجية

تثبّت المسافة بينهم و بين الألم "


و هذا المقطع الذي أعجبني جداً 


" لا بد أن تموتَ أمامي

موت أحبائنا فرصة لنبحث عن بدائل.

في قطارات شرق الدلتا ، تعودت أن أختار سيدةً

مناسبة، تفتح لي خزانة تعاطفها، عندما أخبرها بموت

أمي و أنا في السادسة.


في الحقيقة

حدث هذا و أنا في السابعة،

و لكن (السادسة) تبدو بالنسبة لي أكثر تأثيراً،

فالأمهات في منتصف العمر يُدمِنّ الحزن،

ربما لتبرير حِدادٍ سابقٍ لأوانه.

و الرتوش البسيطة أثناء الحكي

لها سحرٌ،

لن يفهمه أبداً

من لم يضطروا لسرقة حنان الآخرين. "



حل !






أيها القومْ

البلادُ في كل ساعةٍ تضيق

ينبتُ الشوكُ فيها

و تنضحُ رائحةُ الثومْ

أيها القومْ

ضعوا أنتم النهايةَ

و اصنعوا سوأة الختامْ

كأن نفجّر شركة الكهرباء –مثلاً-

أو نحرق كل الحمامْ

في هذا الوضع الراهن المشؤومْ

كأنّا في حوصلةِ غرابٍ

أو في رئةِ البومْ

في هذا الحال المكمومْ

إن الجسد مسمومْ

إن العقل مسمومْ

فلنصنع نحنُ النهايةَ

و لنصنعِ الخِتامْ

في هذا الوضعِ الرَّغامْ

إن الموت هو السلامْ

إن الموت هو السلامْ


ـــــــــــــــ

صدقي ممدوح شراب

خان يونس | 31/12/2014