الخميس، ديسمبر 18، 2014

محمد عبد المطلب عطرٌ من الماضي







الأصوات كما الوجوه، تترك أثرها في النفس و قد تكون أعمق تأثيراً إذ أن الصوت 

يفتح إليك فجوة لزمنٍ فات فتشعر أجواءه و تلمس تفاصيله بحسك الذي أنماه ذلك

 الصوت، أصوات كثيرة أسمعها لها مفعولٌ كبير و ذات صدى ميتافيزيقي تغيّر

 لحظتي الراهنة و تبدل هواءها و سماءها و أشكالها، الشيخ محمد عمران، الشيخ

 الشحات محمد أنور و عبد الوهاب و محمد قنديل و محمد عبد المطلب، و أجد 

الصفة العليا في صوت الأخير عبد المطلب، صاحب أغنية "رمضان جانا" و التي كلنا 

نعرف أثرها الجميل على النفس و كيف هي اقترنت بالشهر الفضيل و طقوسه. في

 هذا الصباح البارد أردت تشكيل ساعاتي الأولى من النهار بحيث أشعر بأني خارج 

مشاكل هذا العالم التي لا تنتهي، الإنسان بإمكانه أن يصنع لحظة سعادة

إنه بحاجة فقط إلى الروح النقية التي تدفعه، و التفكير المجرد .. قرأت صفحات قليلة

 من الرواية التي أمسكها هذه الأيام "الكوميديا الإنسانية" و بينما أقوم بإعداد الشاي

 بحثت في مفكرتي و أزماني عن شيء يصلح لهذا الصباح، تخيلت صوت عبد 

المطلب فوجدته ملائماً و مناسباً جداً، تركت الشاي على النار و رحت أفتش عن 

أغنية و بعد تجربة اخترت " لا ما تغلوش علينا " و قررت رفعها على "الساوند 

كلاود" ليسمعها الجميع حتى يعودوا إلى ذلك الفن الجميل الذي حقيقة أجده يهذّب

 النفس و الشعور .. أوه الشاي !! " ده انتوا الجيرة الجميلة و احنا العِشرة القديمة،

  وانتوا الصحبة الأصيلة واحنا النية السليمة "  يا سلام عليك يا عبد المطلب، أنت

 تجعلني ملكاً على الدنيا بصوتك وبفنجان الشاي الذي في يدي، أحتسيه رشفةً رشفة

 على النغم الطيّب و تمايلات الرأس الثقيل في الهواء يميناً و شمالاً، إنه السلام

 الداخليّ الذي يزورني في السنة مرة و أجيد استغلاله بالإمكانيات البسيطة التي 

أملكها :  شجرة أسقيها، عصافيرٌ أطعمها، فيلمٌ أشاهده، شيء أسمعه .. و حبذا لو

 كانت الشمس مشرقة إن كان يوم السلام الداخلي ذاك وافق أواخر ديسمير، الجلوس

 تحتها و أنت تخوض تفكيراً ما يقودك إلى الحل و يجعلك تسمع لغة المكان، متى 

تنتهي مشاكل هذا العالم و تعقيداته العصيبة، متى يحدث حين يسألني أحدهم ما 

جنسيتك فأقول له : أرضي !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صدقي ممدوح شراب

كوكب الأرض| 18/12/2014







الجمعة، ديسمبر 12، 2014

المدينة








المدينة بعيدةٌ عني

كأني لستُ

صديقها الوفيّ أو

حبيبها الضائعْ

لم يخبرني الحمامُ المهاجرُ 

شيئاً عن سقفِ الجامع القديم

و الدُّرّاقةُ التي سقطت

لم تدحرج إليّ !

لا أقول أكتفي

وجعي قديمٌ يرصدُ أولَ

الغزاة الداخلين عليكِ

قديم، كآخر فدائيِّ أبعدوه !

و الآن من يأذنُ لي بالفتح

بعيدٌ عنكِ

أصف شحب الأرصفةِ

من ذاكرة الليلِ و الفجر

أرتّب الأشجار في دفتر الرسم

و أقول : هنا ميدانٌ أكبر

و هناك حديقةٌ يلجأ إليها

الناس عندما تنقطع الكهرباء !

أصلي الصبحَ وحدي

أصنع الشاي دونكِ

و أنادي " أنور إبراهيم "

سعيدٌ لأنه تذكرني، سعيدٌ

لأجل نوتاته الجديدة

يعزف .. بينما أغسل صوري الفضية

بالعودْ !

لماذا لا أجد ألوانكِ

لماذا أنت هادئةٌ جداً

سيئةٌ جداً 

و .. بعيدةٌ، قليلاً !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صدقي ممدوح شُرّاب

خان يونس| ديسمير 2014





الخميس، نوفمبر 13، 2014

البربيش .. وسيلة تربوية !







بحثاً عن أصل كلمة "بربيش" هناك من قال أنها تركية و هناك من قال أنها كلمة 

عامية فلسطينية تعني الخرطوم الذي يُستخدم في رش الماء و الزراعة. أما تعريف

 "البربيش" تربوياً : فهو جزء من ذلك الخرطوم يتراوح طوله من نصف متر إلى

 متر تقريباً، يُستخدم لتأديب و عقاب التلاميذ المشاغبين و المُقصّرين دراسياً. في

 الحقيقة أنه لابد أن تكون لنا وقفة مع "البربيش" و نُدخله في حيّز الدراسة و

 النقاش لنخرج بعد ذلك بنتيجة نهائية. من الناحية الشكلية فإن الناظر إلى المعلم

 داخل المدرسة و هو يحمل "بربيشه" يرى ذلك غير لائق، لكننا نقول أن الغاية تبرر

 الوسيلة و أنا كمعلم على استعداد أن أتحمل أي نقد مهما كان في سبيل تحقيق الغاية

 التربوية و التعليمية التي أرجوها. أول هذا العام الدراسي قمت بتجربة بسيطة :

 دخلت على الطلاب دون "بربيش" و انتظرت و أنا أنظر لهم حتى يفرغوا من

 شغبهم فلم يحدث، تحدثت إليهم باللين و الدّعة .. لم يحدث، صرخت فيهم؛ انتبه

 البعض و بقي الآخرون على غوايتهم ثم طرقت الطاولة بقوة فانتبه عددٌ قليل، فما 

كان مني في النهاية إلا أن أتوجه إليهم فرداً فرداً طالباً منهم الهدوء  حتى تحقق

 المطلوب بقدرٍ معقول، دام ذلك الهدوء عشر دقائق على الأكثر و كنت في تلك العشر

 ما أفتأ أحدثهم عن الأخلاق و الأدب و الاجتهاد و حسن الاستماع إلى المعلم مما يتوفر

 في ذلك كل أساليب النجاح، شيئاً فشيئاً عاد الشغب إلى سيرته الأولى لينقطع بعدها

 صوتي و أنا أصيح فيهم أو تتورّم يدي و أنا أطرق الطاولة. في اليوم التالي عندما 

دخلت إلى الفصل كان معي "بربيشاً" وقفت أمام الطلاب، طرقت به على الطاولة بقوة و

 أنا أتابع الشغب المعهود، فكانت المفاجأة .. الصمت و الهدوء المنشودان، إلا أنه

 يتبقى طالبان أو ثلاثة من الممعنين في الإجرام الصفّي و الشغب و بعد أن يتلقى كلُّ 

واحدٍ منهم نصيبه من ضربات "البربيش" اللاسعة يغرق الصف في الرهبة والخضوع 

لك. ثم تبدأ بعد ذلك بخطبتك العصماء عن بطشكَ بالمفسدين و المشاغبين و عن

 قسوتك بالمتقاعسين عن أداء واجباتهم؛ ظناً منك أن تلك هي الخطوة الأولى و 

الأخيرة ربما لفرض السيطرة التامة عليهم بعد أن تكون قد زرعت الخوف في 

قلوبهم، ثم في اليوم الذي يليه لم آخذ معي "البربيش" حتى أكمل تجربتي و أنظر

 ماذا يكون من الأمر، و إذ بالسيناريو الأول من فوضى و صخب يتكرر رغم 

التحذيرات و التهديدات، و الآن النتيجة المُستخلصة : الطالب السيء لا يخاف و لا

 يُقيم اعتباراً إلا للضرب و العقاب. إننا كمعلمين في هذا العهد إزاء جيلٍ يخلو معظمه

 من الأخلاق و الاحترام، جيل ينشأ دون التربية المرجُوّة داخل أسرته و بيئته الأولى

 مما يؤدي إلى تشوُّهٍ خطير في ذوقه و أخلاقه و آدابه، جيل لا يُجدي معه اللين

 و الخطاب العقلاني شيئاً ، إذاً نحن في الفصل نكابدُ نِتاجَ ما أنشأته الأسرة و البيئة

 الأولى من خللٍ كبير، إذ علينا أن نتعامل معهم و كأنهم كائنات عشوائية .. و إلا 

فلتقم الوزارة بتصفية المدارس و تنقيتها  و بناء مدارس خاصة لهؤلاء يقوم عليهم 

متخصصون جداً في علوم التربية و النفس، لهذا عزيزي المعلم تقلّد "بربيشكَ" و

 ابدأ جهادكَ المُقدّس !





صدقي ممدوح شُراب| خان يونس



الثلاثاء، أكتوبر 21، 2014

نسكافيه








كانت عابرة

و تقصدُ اللونَ السماويَّ 

الرائجَ في موسيقى الخُلوة 

لا تلمس خاصرتي، هكذا تقول .. اجلس

على أريكتكَ وحيداً، منعزلاً في 

مسائكَ اللامع 


- ما بكْ ؟

- حزينٌ لأني لا أسمع صوتكِ

- سوف تتعوّد !


و قمتُ لأجهشَ بصوري القديمة

و أنا أتذكر رائحة زهر الحناء

خلف أسوار البيوت في نهنهاتي .


- تشرب نسكافيه ؟

- نعم ولا 

- أعدُّه بسُكّر قليل 


أراقبُ انحناءاتِها و بقايا ضوءٍ يتسللُ تحت

إبطيها، فيتصاعد الدخان من رأسي

و أندم على أشياء كثيرة منها :

كسلي عن رسمها و هي متكئةٌ على 

"بار" المطبخ !


- ترغبُ في ضمّي ؟

 - سأشربُ النسكافيه !




ـــــــــــــــــ

صدقي ممدوح شُرّاب

خان يونس | 21/10/2014





السبت، أكتوبر 18، 2014

خارج السرب | محمد الماغوط








لقد أمتعني جداً .. إنه مثل سليمان الحكيم يفهم النملة لو تكلمت، عن الماغوط أتكلم .

أنقل إليكم المشهد الأخير من مسرحيته :


...

عاطف : معقولة جولييت وهم ؟ و روميو وهم ؟ و شكسبير وهم ؟

و الحب و الصداقة و الزمالة و رفقة المسرح و السفر و المدرسة و الطفولة

و المعتقلات وهم ؟

و ثورة الفكر و الفن و العلوم, و الفلسفة و الفلك و الرياضيات

و الثورة الروسية و الثورة الفرنسية و ثورة سبارتاكوس وهم؟

و موسيقى بيتهوفن و أوبرا فاغنر و قصائد لوركا و أراغون و عيون

إلزا وهم ؟

و التراث و المعاصرة و المتنبي و المنفلوطي، و يوسف وهبى

و يوسف الخال و مجلة شعر، و الناقد و الآداب و الأديب و المعارك

الأدبية و هدير المطابع وهم ؟

و التاريخ و الجغرافيا و جبال الصوان، و بعلبك أنا شمعة على دراجك،

و ياحرية يا طفلة وحشية، و شوارع القدس العتيقة و الحديثة و فيروز

و الرحابنة و أطفال الحجارة و كهول الحجارة و أزهار غوغان و سنابل

فان جوخ و ملائكة روفائيل و الربيع و الخريف و كل الفصول

و الحضارات و الفنون و الأطفال و العصافير و الفراشات بهالعالم وهم؟

و ماعاد في حقيقة بهالعالم غير إسرائيل و البترول ؟

أكيد في مؤامرة ليجننوني مسرحياً و عاطفياً و اقتصادياً

بس أنا ماراج جن، بجنن بلد، لأني مو وهم .. أنا حقيقة

و هي إيدي، و هي رجلي، و هادا كتفي و هادا أني و هادا راسي

و مؤمن عليه كمان .

و هادا مسرح و هادا هاتف و هادا شباك تذاكر و هي مكنسة و هادا

صرصور و هادا وطن يحده من الشرق البحر الأبيض المتوسط و جزيرة

قبرص و جزيرة مالطا، و من الغرب المحيط الهندي و مضيق هرمز

و الطنب الكبرى و الطنب الصغرى .

و من الجنوب تركيا و البحر الأسود و بحر قزوين ومضيق البوسفور

و مضيق الدردنيل

و من الشمال كينيا و نيجيريا و منابع نهر النيل و مضيق جبل طارق

و بقية افريقيا

و فوق بالسما .. القمر العربي عربسات عم يراقب الرايح و الجاي

و تحت الأرض سجون و معتقلات و زنزانات فردية و جماعية و غير

ذلك من البنى التحتية المعروفة من المحيط إلى الخليج و كلها من الباطون

و الاسمنت المسلح، و أبواب و شبابيك حديد ما بتمر منها البرغشة ف ...

وين بدها تطير إسرائيل ؟ وين ؟

و ينتصب على قدميه شامخاً باسماً مرفوع الرأس كجندي نازي في


ذروة انتصاراته .




الأحد، أكتوبر 12، 2014

مدرس دين يشرب القهوة و يحب فان جوخ









إلى : محمد ماجد أبو رزق





هل هكذا تتحرش بخلوتي

ترسل حمامك الزاجل إلى ظلالي الجائبة

في البلاد

و تسألها موعدا !

هل أعطتكَ الجواب

و سلبتك معطف السفر القديم

هل أعلمتك أني أغني و أحتسي ملل

اللحظاتْ :

أغداً ألقاكَ .. أغدا

ثم ماذا،

و قد ناءت بأعطافها .. المُلهِمة

تتركنا عطاشى

نلهث على مقاعدنا

نفتش في الجدران

و في الخيالات المُبهَمة

إنا كنا تحت الشجرة الكبيرة

نفحص ضعفنا

نمحّص الهشاشة، و نتذوق

حُشاشة الأشياء

هل هكذا أنت تموت

هل هكذا تشربُ القهوةَ وحدكْ

أم أنك أمامي فقط

تمارسُ معها العاطفة

و هل هكذا نقيسُ

الطريقَ بالكلام

نعلّق المغنّين في الهواءْ

و نعلّق الشعراءْ

و هل نحن انتهينا معاً

أم بدأنا

حين جمعتنا اللحظةُ

الخاطفة !





صدقي ممدوح شرّاب


خان يونس | 11/10/2014



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* اللوحة للفنان : فان جوخ



الثلاثاء، أكتوبر 07، 2014

لستُ سوى سحابة






[1]

في بؤرةٍ نائية 

سحيقة في العجز 

وقفتُ أسترد كل روائحي الغائبة !


[2]

لا تنكروا مافي النوم من فوائد

إنه برزخ الأحياء

و خلاصهم 

من الحظ البائد


[3]

لا تقل للتبغ لا

في هذا الزمن المنتفخ من الأوبئة !


[4]

أنا المسافر الذي لم يخرج من البيت

أنا الحصّاد

الذي اقتلعته الشجرة !


[5]

أين امرأتي

التي تعي كل التشابهات بين

نهديها و البيلسان !


[6]

أطلقي عليّ الفرج 

يا رائحة الياسمين 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدقي ممدوح شراب

خان يونس| 7/10/2014