الاثنين، فبراير 25، 2013

عن ربما و أشرف المصري و الربيع و فريد الأطرش









من أربعة أعوامٍ مضت في محاضرة (الميكانيكا التحليلية) أشعل دكتور المادة

سيجارته ووقف جوار النافذة المفتوحة مستغلاً النسمات اللطيفة التي تهب منها

أخذ نفساً عميقاً و تنهد ، الربيع .. ثم التفت إلينا وقال (مين منكو سمع أغنية

الربيع لفريد الأطرش) لم يلقَ إيجاباً واحداً منا ، فلم يبدر منه إلا أنه هزّ رأسه 

و هو يقول (عموماً هيّ أغنية حلوة) . لم أهتم كثيراً لها وقتها فقد كنت مشغولاً

بالمعادلات المتشربكة على اللوح و بالدعاء إلى الله بأن أخرج من تلك المادة

سالماً و حتى ليس غانماً ‍!

قبل عامين ربما ، في حيّزٍ مُعيّن من الشرق ارتجلنا أنا و السيّد الذي تنمو على

جبينه السنابلُ سفراً بحجمينا وحدنا ، أشعل الحطب بيديه ، صنع القهوة بيديه 

و سألني عن نفس الأغنية ، ثم فتح حاسوبه النقّال و قال لي لنسمعها معاً .

قبل عامٍ ربما ، كتبتُ تدوينةً عنها، كنت أذهبُ إلى أحد المتنزّهات القريبة

و أتمدّد على المقعد الخشبي الطويل ظهراً و أدندنُ مع فريد كلمات ربيعه ،

واللحظات التي تسبق التدوينة مغريةٌ جداً ، تشعر كأنك تبرق ، تلمع ، تتلون

تنساب روحكَ ذهباً و فضّة على الورقة البيضاء ، و يتنقّل ذهنُكَ بين بساتين

متعددة من الخيال ، و أمشي .. أدندن " أيام رضاه يازماني هاتها و خد عمري

اللي رعيته رماني فاتني و شغل فكري " .

خان يونس هذا المساء، طفلة لا تجف ، عطرٌ ينزُّ من أكمامها لكن لا مكان لي

الرجلُ الذي تنمو على جبينه السنابل، ربما الآن يقبّل طفلته مريم، ويغني لها

هو لا يعلم شيئاً عن جاذبيّة اللاوضوح ، و السخافات التي نقع فيها رغماً عنّا !

ربما الآن أنا في أسوأ أحوالي و أحسنها في نفس الوقت، ربما سأستحم غداً ، 

ربما بعد العشاء أقوم بكتابة امتحان العلوم لطلابي ، ربما سأبقى وحيداً حتى

يستلمني نومٌ مُبكّر ، ربما سأقشّر برتقالة أطعن بذلك روتين الوقت ، ربما سأقرأ

ثلاثين صفحة من كتاب (الرابح يبقى وحيداً) ربما أجدُ هامشاً أخلع حذائي حين

أدخلهُ يتقبّل كل سطحيّتي !



صدقي شُراب | خان يونس




الجمعة، فبراير 22، 2013

مدينةٌ لي و حقيبةٌ لكِ









عن أشياء ترقد من النوم باكراً، عن فنجان الشاي بالحليب، 

عن أنور إبراهيم و مجوهراته الزرقاء، عن الكرمل والحديقة

و أشرف المصري، عن عتب ، عن " قايل عن حبي و حبك

مش حلو " عن قاسيون و البلاد و طبق الفول الحار مع صبية

شقراء، عن أول عصفور يستيقظ، عن أواخر شباط ، عن 

حنينٍ بدأ ينمحي، عن الغربة ، عن ياسر زقوت ، عن غرفة

التربية الفنية ، عن الروح المتأهلة و المأهولة، عن بُكاء،

عنكِ ، عنكِ ، عن اللاعودةِ ، عنّي !



كنتُ لا أنامُ إلا نفياً

فاصابني منكِ 

حدثٌ؛

لهذا حصلتُ على وسادتين

و رأيتُ ثغركِ

في المنامْ .

قبل الموسيقى / قبلكِ

تكررتِ الثانية القاتمة

و اربدّت أقواسُ الكلامْ 

لا جسر بيننا

و أراكِ | 

لا وقت للظنِّ

فنثرتُ اليقينْ

و حطّت على نهديكِ

أسرابُ الحمامْ

العاشرةُ ليلاً | الوقتُ قُطْنٌ

تُزيحني ذكرى

تُميلني ذكرى

فأحيا في السراديب حيناً

و حيناً بين الغمامْ

اعبري قطعة السُّكّر

و انتقي شالاً للفرحْ

إنّكِ لم تعلمي

مسكينةٌ عيني في الظلام

مسكينٌ قلبي في الظلامْ 

السادسةُ فجراً | الوقتُ مَهْلٌ

لا وراءكَ ياسيدَ العارفينْ

لا أمامكَ

فانشًرْ صَحْوكَ

على النّيامْ

عدّتْ أبواقُ المسافرين

حشدوا ظلّهم عند

أول المدينة ،

و ردّوا السلامْ

ما كنتُ لعينيكِ قارئاً

ما كنتُ لأسمعَ عزفكِ

لولا هدأةُ الصُّبْحِ

و حُسْنُ الخِتامْ

أنا لم أخترْ مقامَكِ

ولا عُرْيَكِ و الشَّكَّ و دناءتي

إنما اختار نفسَهُ المقامْ

نتوبُ يوماً

نتحّرّقُ دوماً

هكذا دواليكمُ الأيامْ

فاضتْ ياسيّد العارفين

براءتي

إني في هذا الوقت عفيفٌ

فاثبُتْ 

رضي اللهُ عنكَ

و عن الأنامْ

شقشقت مواقيتُ الأزلْ

و حدّقتْ تفاصيلُ

فبقيتُ لحينٍ

و رحلتْ قافلةُ الكلامْ

إنكِ لم تعلمي :

مسكينةٌ عيني في الظلام

مسكينٌ قلبي في الظلامْ 




صدقي ممدوح شُرّاب | خان يونس




السبت، فبراير 16، 2013

أول مرة










الحزن مسيطر ، كآبة مسيطرة ، ولا تخلو الحالات من بعض الألوان التي

تشق طريقها إلى النفس المنتهية حتى تلهمها أيّة بدايةٍ ممكنة .

أفكر في شراء خاتمٍ فضيّ جديد ، هكذا سيصبح عندي أربعة، و أعود من

منفى إلى منفى آخر فأجدُ المساحة بين صدغيّ ضيقةٌ جداً و بعد أن أفتش 

في كل لوحات ( ريكاردو سانز ) التي عندي أفكّر في سؤالٍ واحد : هل

أنا مهذّب ؟!

بالأمس كدتُّ أتحول إلى سمكة ، صرت أسعل بطريقة مخيفة و شعرت 

بالخياشيم وهي تتكون حول رقبتي، تحسستُ ظهري لعلني أجد زعنفة 

و كنت سيئاً لدرجة عالية ، و ابتلعتني أسئلة و نساء و هلوسات لحظيّة

فتمددتُ أنتظر أطواري حتى خرجتُ من النوم لا ليَ و لا عليّ ، وانتهت

المشكلة بحمّامٍ ساخن . إن كل ما يشغل تفكيري الآن هو أنه لن أسمح

أبداً لزوجتي المستقبلية أن تطهو لي السمك في البيت، لن أسمح أبداً 

و إن كان من السمك بُدٌّ فسوف أحضره جاهزاً ، ولذلك أسبابه الخاصة .

انتبهي ، أنتِ امرأةٌ عشوائية التقطتها من الهواء ، من كتاب .. من فيلم

ربما ، من الممكن أنكِ لستِ موجودة ، لكنما السؤال موجود : هل تحبين

الحمضيات ؟! تباً لي ، إنني مهووسٌ بتوجيه الأسئلة إلى السيدات !

دعوني أحكي لكم ماذا يوجد على الرف : منظّف شاشة ، مكيروفون ،

سواك ، صورة نحاسية بارزة لمسجد قبة الصخرة، نظارة شمس، 

كاسيت قديم ، و علبة أسطوانية للسيديهات . ماذا استفدتُّ أنا من ذلك ؟

لا أدري ! لكنني أشعر بالأُنْس حين أراها ، و أنزعج حين يتطرق إليها

نظري فأجد شيئاً ناقصاً ، إنه التعوّد .. نعم ، الحياة باختصار وكل مافيها

من علاقات ليست سوى تعوّد !



صدقي ممدوح شُرّاب | خان يونس



الأربعاء، فبراير 13، 2013

إيه في أمل









في ال/هناك الذي يواريه صوت العصفور و حائطٌ قديم و شجرة زيتون

كان أول بلوغي و فطنتي الحسيّة حول المواقيت المتعاقبة، و هذا الحنوّ

الذي يسافر في جسدي لم أجد له إقامة ، فجلستُ في المساء أتعاطى وجهَ

السيدة، كيف لي أن أنسى سيدةً كان لأصابعها رائحة التبغ ؟!

جديداً فكرتُ بأن أربّي طحلباً في زاوية الغرفة ألقي عليه التحية قبل النوم

قرص الإسبرين صار لا يفارق جيبي ، و كارمن سليمان و فيروز و تذكرة

للمدينة الصغيرة تركتها معي في أشد حالاتي انتماءً !


صدقي ممدوح شًُرّاب | خان يونس








الثلاثاء، فبراير 05، 2013

مقدّمة ابن ممدوح






(fuck me)  هكذا أصّرح بغضب مكتوم لا يكاد ينتشر في المكعب الكبير الذي

يُدعى مطبخ، تكون هناك ركوة قهوة (مزبوطة) موضوعة على النار و يكون

فكري شاردٌ في أشياء تافهة للحقيقة و فجأة ينطلق هذا الصوت تشششششش !

استوعبتم، أليس كذلك ؟ لقد فارت القهوة و اندلقت على (البوتوجاز) مخلّفة

تشويهاً ليس عادياً وعليّ بالطبع أن أقوم بأسوأ مهمة رغم أنها سهلة و بسيطة

لكني أكرهها ، هكذا دونما أيّ سبب و هي تنظيفه و إعادته لامعاً كما كان، حتى

لا أنال نصيبي من التقريع الصباحيّ ، صببتُ القهوة حتى قاعها في فنجانٍ ملّون

نسيهُ أحد الأصدقاء عندي، أعجبني شكله فلم أُرد أن أعيدهُ إليه، ذلك الصديق

ممتعٌ على فكرة و لديه عادات غريبة مثلاً لو أنه كان مدعواً على وجبة أرز فإنه

يحضر ملعقته معه، أيضاً لو كان مدعواً على قهوة كما فعلتُ معه فإنه يحضر

فنجانه الخاص، الذي نسيه عندي و أصبح فنجاني فيما بعد، جميلة هي الصداقة

نستعينُ بها على الأيام الجافة، تُصيغ مفردات الطبيعة بمعانٍ أكثر ثباتاً و رسوخاً

في النفس، أعود إلى فنجان القهوة الذي حملته إلى طاولة (الكمبيوتر) و اخترتُ

رفاقي لهذه الجلسة الحميمة، (نادين لبكي) ( خالد موزانار) و (مايك ماسي)

شربتُ قهوتي معهم ودار حديث مخفيّ بين أربعتنا كنت أديره أنا ، وكنت أضع

على لسان كل منهم كلماتٍ تناسب شخصيته تماماً فأتخيلها بأصواتهم تعبر الدخان

الخفيف الذي يصعد من الفنجان وتلمس طبلة أذني، أبتسم، أقوم بإشارات و إيماءات

معيّنة يصنعها وجهي ، و أحرك يديّ كيفما اتفق؛ أريدُ أن أوضح شيئاً : لكل شيء

حولنا و نراه سرٌ يستحثنا على أن نطلقه ، أن نخرجه ، أن ندعكه حتى تكتمل متعة

وجوده ، ركوة القهوة وهي على النار تتوسل إليك ، تقول لك : لاتشربني وحدك

لاتتذوقني وأنتِ خالٍ من معالمٍ تصطفيها، اختر صورة أولاً ، أو أغنية، أو فيلماً

اختر فكرة .. أي شيء و اشربني في حضرته، هكذا ستكون قيمتي أكبر و أجلى

لذهنكَ الديناميكيّ . و أنا ، أستمع جيداً لما تقوله الأشياء ، أستمع للنافذة للكرسي

للوسادة ، للطاولة، للشجرة، للشارع ، لخاتمي، لثيابي، للأريكة التي أقرأ عليها

لكل ما يمتُّ بصلةٍ إليّ و لأجوائي و مزاجاتي . يتسع فمي كثيراً ، أضحك بعفويّة

لمّا أختار أن أسمع أغنية (حشيشة قلبي) من فيلم (هلأ لوين؟) من إخراج نادين

لبكي ، تنظّف المللَ البيتي الرّاهن، وتجعلني لا آبه لمشاكلي و لأكاذيبي الصغيرة !

فجأة اكتشفتُ أني بحاجة لأن تهديني امرأة جميلة قميصها (الكاروهات) الذي

يحتوي على مربعات كثيرة زرقاء و ألوان أخرى متقاربة في الدرجة، و تكون

قد لبسته مرتين فقط، أجدُ فيه بعضاً من رائحتها حين أشعر بالوحدة في الليالي

الباردة، ذلك الاكتشاف جاءني على مهل بعد ممارستي ليومٍ كئيب ووجدتُّني أجلس

على مقعدي أفكر في سوء الحظ أو في مستقبل الطفل الذي يجلس جواري و النعاس

قد أهلك عينيه وهو ينتظرني أن أغادر موقعي أمام شاشة الحاسوب ليحتله ومن

ثم يلتهي بلعبته المفضلة !

و فجأةً أخرى أصابني ذلك الدفئ العائلي الحميم الذي ضاع مني من سبعة أعوام

حين تأخذنا الحياة بحلوها و مرّها، نفكر بأمورنا الخاصة و بأحلامنا التي نجدها

تموت أمام عجلات الزمن الصعب حتى قبل أن تدوسها، نضيع أكثر من مرة ونعود

بعدها فنجد الاختلاف الملموس ، نجد وتراً ناقصاً فنتأكد أن اللحن لن يرجع كما كان

تماماً، كل ما أحتاجه الآن للتخلص من هذه الغربة المزمنة هو لمّةٌ حول موقد نار

و شاي و تلفاز و حوارات خفيفة . " هاتيلك شي فزورة " و " كيفو هالحلو ؟ "

في نُعاسي الرّاهن، لا توجد نساء ولا ترتيبات جديدة لحياتي الواقفة على حدود الظل

و النور، و أسأل نفسي سؤالا : هل ياترى يحتاج اليقين إلى أدلّة  ؟ أم هو فقط

الشعور ؟ أولاً و أخيراً لا بد أن تكون الروح بيضاء . صار قلبي على موعدٍ كل مساء

مع كوبٍ مصنوع من الورق المُقوّى من مشروب الشوكولا الساخن، إن صاحب المقهى

يعدّه ببراعة فأحتسيه رشفة رشفةً معانقاً رائحته المتوّجة بديكور المكان، إن ذلك يعني

الكثير .. الكثير جداً؛ أن تكون هناك " قهوة " في الحارة التي تسكنها يجتمع فيها

الأصدقاء كل مساء !

لا تكوني قاسية، لا ترجمي نومنا يا غيمة المدينة التي فينا ، لا تجبريني على السفر

و غربتي ، لمن سأترك هذه الحيطان ؟ لمن سأترك هذه العتبات ؟ لمن سأترك

شوارعكِ و الميادين ؟ سنمشي يا صديقي .. سنمشي حتى يأتي الصيفُ 

و نُقرّر بعدها !


صدقي ممدوح شُراب | خان يونس