الجمعة، مايو 18، 2012

بادية الظلمات | عبد الرحمن منيف








(1)

قيل : كان في الزمن الأول ملك يشربُ و أهل ناحيته من ماء السماء، فقال له منجّموه : إنا نجدُ

في علمنا أنه من شرب من ماء هذه السنة المقبلة تغيرعقله و خولط، فإن رأى الملك أن يأمر بادّخار

الماء لنفسه و خاصته فليفعل، و لايشربوا من ماء هذه السنة المقبلة . فأمر بالمصانع فاتخذت و ادُّخرَ

فيها من الماء ما يكفيه و يكفي خاصته . فلما جاء المطر و شرب الناس منه تغيرت عقولهم، واختلطوا

و شرب الملك من الماء الأول هو و خاصته فلم يصبهم ما أصاب العوام .

فلما رأتهم العامة في خلاف حالهم، قال بعضهم لبعض : إن ملكنا قد خولط و تغيرت عقله و عقول

أصحابه . وما الرأي إلا خلعه و الاستبدال به ملكاً منا : عاقلاً لم يتغير عقله . فبلغ ذلك الملك، فقال

لوزيره و كتّابه و منجميه : قد ترون ما أجمع هؤلاء عليه، فما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن نشرب من

مائهم حتى نصيرَ في مثل حالهم، فلا ينكروا منك و لا منا ما أنكروه . ففعل و خولط، فصار مثلهم

و أصحابه، فلما رأت ذلك العامة قالت : قد برأ الملك و صلح أمره .


(2)

قيل كان رجلٌ يسخر بالناس و يدعي أنه يرقى الضرس إذا خرب على صاحبه، فكان كلما أتاه

من يشتكي من ضرسه قال له إذا رقاه : إياك أن تذكر القرد إذا صرت إلى فراشك، فإنك إذا

ذكرته بطلت الرقية . و كان أحدهم إذا صار إلى فراشه أول ما يخطر على باله القرد، فيبيت

على حاله من وجعه، فيغدو إلى من رقاه، فيقول له : كيف بتّ ؟ فيقول بتُّ وجِعاً . فيقول :

لعلك ذكرت القرد ؟ فيقول نعم . فيقول : من ثم لم تبرأ .



0 التعليقات: