
القهوة تترسب بين راحتينا الراجفتين، فيروز تغني " لأخت زينب " وفي هذه اللحظة تتوالى طقوس الدوزنة مع ملحمة الغروب الراقد على شفاهنا القرمزية، شيء يبعث النسمات في ربيع الذات.. فراش يحوم بخفة الدُّنو إلى مهجع النور، شجر يطفو فوق معالم السكون الدافئ، سماء قصيّة تشحذ نظرة وداع تؤرقها مآقي الشحارير، تتركنا الموسيقى ظلين ناعسين على وسائد العذراوات، نملأ فراغات ما تبقى من النهار بالزنابق التي ترمي رائحة من شرفات بيروت المشرعة، لتفعل بنا ما يفعل الخمر الساري في عروق الساهرين..
مُغْرٍ أن نجد كلماتٍ في وجدٍ مقفرٍ من الكلمات، وبصيص أمل طموحهُ لا يتعدى سوى مساحةِ ضيقة أمام عتبات النص، نحفر دون جدوى بأنامل مطفأة لنجد ما سخّره التراب الحنون فيترامى النرجسُ شهيّاً أمام أحلامنا العتيقة..
فنجانٌ آخر من القهوة، يتباهى السردُ بأصالةٍ تخفّفُ عنّا تراكمات الجمود التي تأصلت وتنامت من دقائق الوقت المتكرر، تلتفُّ حولنا مآذنُ لا تعرفُ سوى نداءاتِ الحيارى، تسقطُ فينا شهقاتُ الأمس، ويلونّنا صدى الكلماتِ بلون يعانقُ المغيبَ ويمعنُ زَهْواً في نواحي العمر الذي يركضُ سريعاً صوب الغيماتِ الفيّاضةِ بالحنين ..
فيروز الآن تقابل روابي الغدير الناشئ من زخم الشعور النامي والأسرار، تحضن قلق الشعوب وخوف الصيادين وريح المنارات، وجبروت البحر، صوتك يا فيروز ملاذ عشقنا الكبير، وحدائق الديار، وسحر لا ينتهي كماء سليل، أنت يا بيت الموشح يصعد من مسامات القصيد، ويتناثرُ كرذاذ الغيث تحت أهداب المحبين، فيروزُ يا نشوة العمر الساري فينا كرائحة الخزامى تتأهبُ نحو السفوح، يا أيتها الهامة تلخص خلود الحضارات، وتسدل ستار الملحمة ، أنت يا فيروز ..
أنت أيتها الوديعة..
صدقي ممدوح / أشرف المصري


0 التعليقات:
إرسال تعليق