الثلاثاء، أبريل 06، 2010

جمهورية فرحات / يوسف إدريس









..
كنت ُ أظن ُّ أن الكاتب الوحيد من بين الكُتّاب القادر على إضحاكي بأسلوبه ِ السّاحر الأخّاذ هو الدكتور ( أحمد خالد توفيق )
وإذ أقول ( إضحاكي ) ، فهذا يعني كل ماتحويه الكلمة من دلائل ومن أفعال ،
والدكتور ( توفيق) نجح في هذا أيما نجاح في سلسلتيه القصصيتين ، ( سافاري ) و ( ماوراء الطبيعة ) ،
أنوّه ُ هنا أني أتكلم ُ على الصعيد الشخصي ّ !
لأواصل ..
والمؤلف ُ أشهد له بالبراعة الفائقة في أن يجعل الموقف َ المقروء مُمَسْرحا ً ، وكأنه يُجسّد ُ أمامك َ تماما ً
ليس هذا فقط بل أيضا ً يجعلك تمتلك ُ عِدّة عدسات تُقرّب بها وتُبعّد لترى بوضوح الإيحاءات المصنوعة على وجه كل شخصية ،
لهذا فحين كانت تتعرّض ُ لي الصفحات بموقف ٍ ما تستدعي مني أحداثه الجارية أن أضحك ، لا أضحك فحسب ،
بل أُصاب بهستيريا !!
فأشهد ُ للمؤلف بالحنكة ِ والتحليل ِ المتمكّن !
وبعد انقطاع ما يقارب السبع أعوام عن قراءاتي للدكتور ( توفيق ) ، لم أضحك كما كنت ُ أفعل ُ مُسْبقا ً
إلا في كتاب ٍ أحضرته ُ حديثا ً اسمه ُ ( جمهورية فرحات ) لمؤلفه ( يوسف إدريس )
فكل ُّ الأعراض ُ التي كانت تنتابني آنذاك كررت نفسها .. !
أود ُّ أن أذكر هنا أن كل من المؤلفّين تخرجا من كلية الطب ، ومارسا الكتابة
وسألت ُ نفسي سؤالا ً هل أنه ُ لو اجتمع ُ الطِب ُّ مع مَلَكَة ِ الكتابة تحدث ُ ( سكتيرما ) ينتج ُ بعدها
المقدرة على إبداع الأسلوب السّاخر الضَاحك من بين أسوار الملحمة ِ السائرة في العمل الأدبي ّ!
نعود ُ إلى ( جمهورية فرحات ) ،
الكتاب ُ نُشر َ في يناير عام 1956 ، ضمن سلسلة الكتاب الذهبي التي كانت تصدرها دار ( روز اليوسف ) ،
وكتب مقدمته الدكتور ( طه حسين )
ويقول ُ في مقطع ٍ منها بعد ما قرأ الكتاب :
( وأقرأه فأجد فيه من المتعة ِ والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء على تعمق ٍ للحياة
وفقه ٍ لدقائقها وتسجيل صادق صارم لما يحدث فيها من جلائل الأحداث وعظائمها لا يُظهر في ذلك تردد
ولا تكلف وإنما هو إرسال الطبع على سجيته كأن الكاتب قد خلق َ ليكون قاصّا ً .. )
الكتاب يتكون من أربع ِ قصص ،
ثلاث ُمنها من نوع أدب القصة القصيرة أسماؤها كالتالي تِباعا ً :
1- جمهورية فرحات
2- الطابور
3 - رمضان ( آاااخ ما ألزها )
والرابعة قصة طويلة بعنوان ( قصة حب ) ،
وهي تحكي عن شاب مصري كان عضوا ً في اللجنة التي تقاوم الإنجليز في تلك الآونة ،
ظروف ٌ ما تجعله ُ يعمل مع شابة ٍ جميلة ،تشارك في اللجنة النسائية ، وتتكرر لقاءاتهما في شقة صديقه المحامي
التي كان يختبئ فيها من البوليس السياسي ،
وحدث تلو حدث
ويوم ٌ يتبع يوم
وتتنامى مشاعره تجاهها ..
فيصب ُّ في بحيرة ِ قلبه نهران ، وطنه .. وهي !
قبل أن أُنهي انتقيتُ لكم من القصّة هذا التصوير المتدفق جمالا ً ،

" ولكن فوزية انخرطت في بكاء ٍ مؤلم لا يصلح ُ في تلافيه الهذر ،
وما أدرك حمزة هذا حتى ترك مكانه ُ ، ولف ذراعه ُ حولها ، ورفع َ وجهها إليه ،
وانبثقت في صدره ِ لوعة ُ عذاب ٍ حادة حين رأى عينيها الباكيتين ، ورأى كأن شمس يوم ٍ حزين
تغرب ُ فيهما ، وقد تحول البياض الناصع إلى شفق ، وتوهجت العسلية ُ المذهّبة بأشعة الغروب كما تتوهج
سنابل القمح حين يغيب ُ وراءها القرص الأحمر ، والدموع تتساقط ُ حزينة ً هي الأخرى تبكي وتدمع ُ
وتولّد في عيون الآخرين الدموع ..
ووجد نفسه يهدهد ُ عليها برفق ٍ واحتراس وكأنها مصنوعة من دقائق زجاجيّة لا تحتمل ُ لمسه ، وكان يفعل ذلك
بدهشة غير قليلة ، فتلك أول مرة كان يهدهد ُ فيها على إنسان أو حتى قطة ،
فما باله بفوزية وهي مستكينة إلى التجويف ِ الدافئ الكائن بين جنبه وذراعه ، والتي يحسها بعضلات صدره هشة أليفة ،
ودموعها متلألئة يكاد من كثرتها وتتابعها أن يتذوق طعمها في فمه ، وشعرها يجذب ُ أنفه برائحته ِ ورائحتها وهي مطمئنة
إله بكلها ، وبالشمس الغاربة في عينيها ، وبمكرها وبمبالغاتها ، وبكل ما تحمله له من حب ..
كان البيت من البيوت التي تقع ُ في حواف ( الدقي ) ، وكانت النافذة تصنع ُ بروازا ً مربعا ً للوحة حقيقية تغرب فيها الشمس
نفسها عبر البيوت البعيدة والمزارع التي لا تنتهي ..
وجو الغروب يشحن بمقدمات التغيير العظيم الذي سيطرأ على الكون بعد ذهاب الشمس .. وكانت شعاعات صفراء وحمراء قد اخترقت النافذة
وبرزت من اللوحة وأضاءت الحجرة ، وأحس حمزة أن قلبه يذوب في إحساسات رقاق ..
وخيل إليه أنه قد أصبح َ إنسانا ً آخر .. شاعرا ً أو موسيقارا ً .. أو فنانا ً مشحونا ً بأحاسيس مرهفة ، ناعمة ، هفهافة تتصاعد من نفسه
وتملأ الجو الذي تضيئه لهثات شمس أخيرة ، بأبخرة معطرة ، وسحابات خفيفة مصنوعة من ذرات إنسانية خالصة ..
حس أن قلبه يذوب وكأن عددا ً لا نهاية له من العواطف الدقيقة الضعيفة الواهنة يتسرب إلى ذاته الحديدية وينهشها ويشبعها نبضا ً ولينا ً
وألفة .. ولا يستطيع مقاومتها ، ويدفعه العجز ُ إلى حنين ٍ جارف للبكاء وكأن لحنا ً جنائزيا ً تأتيه أنغامه من بعيد .. لا تشمئز له نفسه ولكن يثير
فيه أشجانه ويداعب أوتار حزنه المهملة في نفسه فتروح تعزف هي الأخرى وتنوح ، ويتصاعد حزنها ألحانا ً تحرّض على الحزن والعجز ، وتغري
بأن يفضفض الإنسان عن نفسه بالدموع أو .. بالكلام ! "

0 التعليقات: