الأحد، أبريل 11، 2010

خابور







كل الأبواب قد سُدّت ، وثمّة أيد ٍ خفيّة أحكمت إغلاقها ..
وبات يكره ُ كُلّ الثقوب التي يمرق ُ منها النور ؛ لأنه أخذ يبحث ُ عن
ثقب ٍ واحد .. ثُقْب ٍ واحد ، ولم يجد !
ضاقت به ِ الأمكنة ، وأحضان النساء وأصبح لطعم ( الكونياك ) في فمه ِ
طعم ُ الماء ،
لم يعد يستشعر ُ بلذّة ٍ
ولم يعد يطيق ُ الخروج ..
إنه اليوم العاشر الذي لم يغادر به البيت ،
أي أنه ُ يتبقّى خمسة ُ أيام للإجازة ِ التي أخذها ويعود ُ بعدها إلى العمل ..
هز ّ رأسه بنفور ٍ شديد ، لأن قطار تفكيره ُ وصل َ بهِ
إلى محطة العمل .. !
إنها سيرة ٌ يشمئز ُّ منها ، خاصّة ً في العزلة ِ التي قرّر َ
أن يخوضها ..
لا أصدقاء ،
لا نساء ،
لا أحد ..
هو فقط في شقته ِ الصغيرة ..
كيف عنّت الفكرة ُ في رأسه ؟! .. هكذا فجأة ً ولم يمض ِ على استيقاظه ِ
خمس ُ دقائق ..
نهض َ متكاسلا ً بعد سهرة ٍ خطيرة وعليه ِ أن يهم َّ قليلا ً حتى يلحق َ بالعمل
توجّه إلى المغسلة ، فتح الصنبور َ ليشطف َ وجهه ويغتال َ جنود الكرى المُعسكرة عليه،
فلم تنزل منه ُ سوى ثلاث قطرات ٍ تحديدا ً ، ليعلن َ بعدها شُحَّه ُ التام !
رفع َ رأسه ُ عاليا ً حانقا ً ، مُستقبلا ً السقف َ بنظراته ِ الخاوية ،
وأخذ نفسا ً عميقا ً ، سرعان ما أطرق بعده ُ ولم يهتم بأن يعيد الصنبور
لحالته الأولى ،
عاد َ إلى سريره متثاقلا ً ، جلس عليه ِ مُسْنِدا ً مرفقيه ِ على فخذيه
وأصابعه العشرة تتخلّل ُ شعره ُ المُجعّد ..
بعد برهة ٍ مد َّ يده ُ إلى أسفل ِ وسادة ٍ بجانبه كانت قبل دقائق معدودة
مرقدا ً لرأسه ،
وتناول علبة ً معدنيّة يضع فيها سجائره ، فتحها لكنه ُ لم يجد سيجارة ً واحدة ..
سوى فُتاتا ً من التبغ ِ منحشرا ً في زاوية ٍ أو زاويتين ..
فرمى بالعلبة ِ الحائط َ الذي قُبالته ِ ، مُحْدثة ً رنينا ً بسيطا ً !
ثم حك َّ أعلى ظهره ِ بسرعة ٍ مُغْضَبة ، وفكّر هل يشعل ُ البيت ض
ليرتاح ... ؟!
دخل المطبخ وأعد َّ فنجان َ قهوة ٍ على عجل مهنئا ً نفسه بسخرية ٍ
على أن الأمر قد نجح َ هذه المرّة !
احتساه ُ وهو يرتدي ملابسه ُ ، ما إن فرغ َ منه ُ حتى انتعل َ حذاءه ُ وخرج َ دون أن يلقي
على سحنته ِ نظرة واحدة في المرآة ..
وهو في الطريق ِ إلى العمل وبدون أي تحذير ، فُجاءة ً .. سقط في بالوعة ِ الكآبة ِ ، شعر َ أن الحيطان
التي حوله ُ سوف تقترب ُ من بعضها وتطحنه بينها ، وكأنه لمس بقدميه ِ خيطََ إنذار !
ظل َّ هذا الشعور يلازمه ُ إلى أن وصل إلى العمل
حتى وهو جالس ٌ على مكتبه كان سارحا ً ، ساهما ً
منفصلا ً تماما ً عن الأحداث ِ حوله ُ ..
من هنا .. أحس َّ انه ُ بحاجة ٍ ماسّة إلى إجازة .. والانعزال ِ بنفسه ..
وها هو في شقته الصغيرة وقد مضت من الإجازة عشرة ُ أيام ..
ولا زال ُ يشعر ُ بانقباض ٍ لا يبرح ..
هناك شيء ٌ ما خطأ .. أو غير منطقي ّ !
رفع كفّيه ِ أمام َ ناظريه ِ وأخذ يعد ُّ أصابعه ُ ليتأكد أنها ما تزال ُ كما هي ،
وأنها لم تزِدْ إصبعا ً ولم تنقص !
نهض َ متثاقلا ً ، متجهّما ً وأدار قُرص َ موسيقى في جهاز الاستماع ، ليُسبّب َ خللا ً
في النظام الشعوري ّ السائد في وقته ِ ذاك ..
ثم توجّه إلى حيث المرآة وشرعَ ينظر ُ إلى نفسه ،
ويتحسّس ُ شعره ُ الجاف الذي بدأ يخف ّ تدريجيّا ً ، ويتأمل بقلق بشائر الصلع
لاعنا ً حظه ُ لو أنه سيرثه ُ عن أبيه !!!
ثم صار يقوم ُ ببعض الإيماءات والإيحاءات البلهاء ،
يرفع ُ حاجبا ً ، يخرج ُ لسانه ُ ، ينفخ ُ فمه ُ .. ومن هذه الأفعال !
مدّ يده ُ إلى رف ٍّ صغير بقربه ِ وتناول َ زجاجة َ عطر من النوع الباريسي ّ وبخ َّ
قليلا ً حول عنقه ُ ثم مسحه ُ براحتيه ِ قبل أن يفركهما ..
ماذا بعد .. ؟! .. ماذا بعد ؟! ...
سأل َ نفسه ُ ، ... هل يشعر ُ بالجوع ؟!
ليس كثيرا ً ، زجاجة عصير وساندويش بسيط يفيان بالغرض !
ثُم ّ ..... ؟!
طفق َ يذرع ُ الغرفة َ جيئة ً وذهابا ً ، عاقدا ً يديه خلف ظهره ..
وتاه في تلافيف عقله ، تاااه .. وتااااه ...
لدرجة ِ أنه اصطدم َ في الجدار ِ ، فاستفاق !
هناك شيء ٌ ما ليس على ما يرام ..
وعنصر ٌ مفقود في أحشاء الأرض !
الدنيا في الخارج مليئة بالحفر الكثيرة ، ليت السماء تسقط !!
تمنى أيضا ً لو أن الفئران أكبر حجما ً من البشر حتى تقرضهم جميعا ً !!!
كذلك هو ضاق َ من المكوث في البيت لوحده ،
لابد أن يقوم بعمل ٍ خارق ... خاااا !
سكت َ فجأة قاطعا ً الكلمة من نصفها تماما ً ، ولمعت عيناه حتى لتحس َّ البرق َ يخرج ُ
منهما !
وتساءل َ فَرِحا ً : أين هذه الفكرة كانت عنه ؟!
توجه فورا ً إلى هاتفه وطلب رقما ً :
- مرحبا ً يا ... ألديك شيء الليلة ؟
- أهلا ً يا ... لا أبدا ً ، ربما من الفراغ سأشاهد ُ برنامجا ً تلفزيونيا ً !
- جيد جدا ً .. حسنا ً اسمعني ، أتذكر سهرتنا الأخيرة عند ... ، وليلتها
أخرج َ قطعة ً سوداء من جيبه وأخبرنا أنها مفتاح السعادة !!!
- أها .. تقصد ُ الخابور .. !
- أجل هو ذاك ، وأنا رفضت أن أتعاطى ذلك الشيء ، بينما أنت وهو انعزلتما عن كل هذا الوجود !
- هه .. !
- افهمني ، أريدك َ أن تأتيني بقطعة ٍ نفسها ، سأنتظر بينما أنا أرتّب معدّات السهرة ..
- متأكد من أنك لن تخذلني ؟!!
- أنتطرك وفقط .. لا تتأخر .
ثم أغلق الخط على الفور ..
تحوّل َ بعدها إلى خلية نحل ،
نظف الصالة ، مسح الطاولة ، وهيأها ، ونسّق الأريكة الطويلة ،
وأحضر زجاجة ( كونياك ) وكأسين وخُبْزا ً مُحمّصا ً ل ( المَزّة ) ، وضع هذه الأشياء على الطاولة
ثم شَغّل َ أسطوانة فيلم قديم ل ( أنطوني كوين ) !
جلس يشاهد وينتظر ، إلى أن دق َّ جرسُ البيت
فقام مسرعا ً وفتح الباب ، وانبسطت أساريره ُ إذ رأى صديقه ثم قال مرحّبا ً بابتسامة ٍ كبيرة تحوي خبثا ً ما :
- يا أهلا ً بالحامل .. وسهلا ً بالمحمول ..
أفسح َ له ليعبر ، وتبعه هو بعد أن أغلق َ الباب بكعب رجله ..
صفّق صفقتين قويتين ، وصاح صيحة ً طرزانيّة وكأنه سيبدأ ملحمة ً عمّا قليل مع قرود الغابة !!!
وضع الصديق ُ أغراضه ُ على الطاولة ، ولم يكد يفتح فمه متسائلا ً حتى وضع رجل الملحمة ِ
سبابته على شفتيه ِ هو كمن يأمره بالسكوت ، وقال له بصوت مبحوح مفتعل :
- المعدّات كلها في المطبخ .. اذهب وابدأ عملك
ودعنا نعيد تشكيل التاريخ كما يصفو لنا !!
وصاح صيحة ً أخرى مردفا ً :
- تحيا الخوابير !!!
فرفع صديقه ُ إبهامه أن تمام جدّا ً ، ودلالة ً أن الوضع على ما يُرااام !
دخل إلى المطبخ ثم عاد بعد لحظات ٍ حاملا ً زجاجة ً بلاستيكيّة ، قد ثقبها بطريقة ٍ معيّنة
مُُدخلا ً فيها أنبوبا ً بلاستيكيّاً صغيرا ً ،
وضعها بانبهار ٍ على الطاولة وقال بلهجة ٍ درامية :
- لنبدأ الاحتفال !
ثم أخرج قطعة ً سوداء وجدت لها مكانا ً مناسبا ً في ذلك التشكيل ، طبعا ً بعد أن فتّتها !!
وأشعل عود َ ثقاب ٍ ووضع َ لهبه على الفُتات الذي كونه ،
فعبقت الزجاجة ُ بالدخان وناولها لصديقه قائلا ً :
- مرحبا ً بك َ في عالم سِمْسم !!!
واستنشق َ الآخر ُ ، وحشى أنفه ورأسه بذلك الدخان
ثم رمى بجذعه ِ على ظهر الأريكة ِ
بعد أن أحس َّ أن كل الأبواب قد فُتحت ، وشُرّعت كل النوافذ ، وأبحرت السفن وأمطرت السماء ُ لبنا ً
وشعر أنه بالإمكان أن يقطف بلحا ً من نخلة ٍ واقفة أمام باب شقته !!!
طار عقله بعيدا ً .. بعيييدا ً
وصار يدندن :
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت ُ أظنها للا تفرج ُ
ثم عاود َ التحليق ،
و الآخر جالس ٌ بقربه ِ يأخذ ُ نصيبه ُ من الفضاء
مُردّدا ً :
- عَمَاااااار يا أبو الطيب !!!!!

1 التعليقات:

سلة ميوّة يقول...

:)



أجدت ...

كما دوما

ودّي