الثلاثاء، مارس 16، 2010

عصا الحكيم ،
















الأستاذ ( توفيق الحكيم ) ، فلكأنما سئم َ رِفْقة َ البشر ِ ، فاستعاض عن ذلك بحماره ِ والذي أجرى خواطرَه ُ ودواخل نفسه على لسانه ِ ، بيد أن حماره ُ تركه ُ وجرى إلى ميدان السياسة وانغمر فيها فلم يعد في مقدرة الأستاذ
العثور عليه أو تمييزه من بين السياسيين !
وهاهو في ( عصا الحكيم ) يتخذ من عصاه خليلته ورفيقة ُ حديثه وشجنه ،
والتي مهّد كتابه بمدحها والثناء عليها ووصفها بأنها ابنة من خشب ،
وفي عصاه يقول ( الحكيم ) :
... وهي تلازمني كأنها جزء من ذراعي ..تنتقل معي وتسير ..من مصير إلى مصير ،
لا تضجر مني ولا تزهد في صحبتي .. لو أنها كانت ابنة من لحم ودم ، لقالت لي اليوم : دعني ..إني لست من جيلك !.. والتفتت إلى زوجها وبيتها !
ولكن عصاي لم تعصني بل تبعتني وأطاعتني وقاسمتني الأيام البيض والأيام السود
...
إن عصاي معي دائما ً دائما ً ..قانعة بحياتها الهادئة المتواضعة بجواري .. تسمع كل ما يدور حولي .. وتهز رأسها في يدي عجبا ً أو سخرا ً أو صبرا ً
وتكتم كثيرا ً .. وتهمس قليلا ً ، ما من شك عندي في أنها تريد أحيانا ً ان تتكلم .. ولكنها تصمت أدبا ً لأني لم أدعها إلى الكلام
لقد لحظها الكثيرون من قديم .. وأشار إليها أحيانا ً بعض الكاتبين والراسمين
وحياها بعض الأصدقاء بقولهم لي : أهي دائما ً معك لا تفارقك ؟!
نعم هي بعينها .. لا أبتغي بها بديلا ولو كان من الذهب الإبريز .. هذه العصا البسيطة من الخشب الأبيض الزهيد .. لقد هرمت واعتلت .. ونخر فيها الداء ولكني أتناولها بالعلاج .. والخوف على حياتها يخلع قلبي .. حتى كثرت في جسدها المسامير .. إنها يجب أن تعيش ..لأني لا أستطيع أن أتصور يدي بدون يدها ..
تلك التي عاشت معي خير سنوات العمر ..

..
ولهذا يرى أستاذنا أنه من البر والعرفان بعصاه أن يقدمها إلى الناس
وأن تتحدث هي كل ما يجيش في صدرها عن الفكر والمجتمع والناس ..
إنها فلسفة الحكيم ونظرات ٌ ثاقبة لصور ٍ في الدنيا والآخر
ينقلها إلينا في كتابه ِ هذا على لسان عصاه ..
..
ضمن المجموعة مقال ٌ مُعنون ٌ ب ( لو حكم الفلاسفة ) راقتني فكرته كثيرا ً وأعجبتني صياغته لنتمعنه سويّا ً ،

قالت العصا :
-كلما حل بالدنيا الخراب ، وفتكت بالإنسانية الحروب وتوالت المصائب والمآسي ، تساءل الناس : لماذا لا يقود الفلاسفة زمام العالم ؟ .. إنهم بتفكيرهم المتسامي عن الغرائز قد يستطيعون تجنيب العالم ويلات العواطف المتأججة التي تلهب النفوس وتدفعها إلى المجازر والنكبات ! ..

قلت :
- ما من شك أن الفلاسفة لو تسلموا أعنّة الدنيا لما وقع فيها شيء مما نراه الآن .. بل لما وقع َ فيها شيء على الإطلاق ..
أذكر أن أحد المفكرين تساءل يوما ً :
ما الذي يجري لو أن مؤلفي المآسي المشهورة وضعوا بدل أبطالهم فلاسفة ..؟
لو أن شكسبير وضع بدل عطيل فيلسوفا ً ، لما قتلت ديدمونة !
ولو أن سوفوكل وضع بدل أوديب فيلسوفا ً لما فقأ عينيه .. الوحيد من بين أبطال المآسي الذي أريد له قدر من التأمل الفلسفي وهو ( هاملت ) ظل مترددا ً بين الإقدام والإحجام ، لا يدري أهو مصيب أم مخطئ ، حتى كادت تفلت منه كل فرص العمل ..
الرواية الكبرى أيضا ً وهي الحياة .. لو أن أبطالها المحركين لمصائرها كانوا فلاسفة ، لا ساسة ولا قادة جيوش .. لوقفت حركة هذه الرواية من قديم عند الفصل الأول ..
فالفلاسفة بتحكمهم في الغرائز ما كانوا ليسمحوا بحروب ولا بنزاع ولا بثورة ولا بانقلاب .. إلخ
أي أن التاريخ يجب أن يكون عاطلا ً بلا عمل ، أمام حكمة الفلاسفة التي تمنع تلك النزعات والأخطاء والأهواء التي تنبت منها الحوادث التي تهز الناس وتتيح لهم التغير والتطور ..

قالت العصا :

- حقا ً .. لا بد في ( جهاز ) الإنسانية من ( محركات ) الغريزة إلى جانب ( فرامل ) الحكمة ..


تأملوا معي هذا المقطع النصي البديع للأستاذ وهو يتكلم عن العبقرية ، والذي حرك كل ساكنة ٍ بين الضلوع !
تأملوا معي :

ساعة حلم في رأس رجل قد تصبح هي الأبد ! .. يا لعجائب العبقرية أحيانا ً ! .. هذا الوهم الشفاف الذي لا جسم له ، هذا الحلم الهفاف الذي لا كيان له ، هذا الخيال العابر الذي يأنف المكان أن يجد له موضعا ً ، ويترفع الزمان على أن يبقى له في حسابه لحظة ، يستطيع أن ينقلب جبلا ً شاهقا ً راسخ الموضع دائم اللحظات ، ومثل هذا كثير في عالم الروائع الباقية والأفكار الخالدة ..
رجل يتوهم أو يتخيل أو يحلم ، ثم يستيقظ في الصباح مؤمنا ً بوهمه أو خياله ِ ، أو حلمه
فيأبى إلا أن يقيمه على قدمين ، فما يكاد يفعل حتى ينطلق هذا الوهم أو الحلم يسعى بين الناس حقيقة ، يعيش فيها الناس ويألفونها
كما يألفون الظواهر الطبيعية ، من جبال وبحيرات وبحار ومحيطات .. وتتشرب نفوسهم بها فإذا هي عندهم شيء طبيعي كالماء والهواء ، يتعذر عليهم الحرمان من وجودها ويصعب عليهم تصور وجودهم بدونها ، ويخيل إليهم أنها من المقومات الضرورية لحياتهم ولا يحبون أبدا ً أن يتذكروا أنها حلم مر ذات ليلة برأس رجل ، كغيره من آلاف الأحلام التي تمر دائما ً برؤوس الآلاف من الرجال ...


ألقاكم .. وكتاب آخر ،




0 التعليقات: